(المتن)
(قارئ المتن) بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللمستمعين أجمعين برحمته وهو أرحم الراحمين قال العلامة الشيخ عبدالرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى في كتابه ))فتح الرحيم الملك العلام في علم العقائد والتوحيد والأخلاق والأحكام(( الرحمن الرحيم البر الكريم الجواد الوهاب الرؤوف هذه الأسماء الكريمة متقارب معناها وكلها تدل على أنه موصوف بكمال الرحمة وسعة البر والإحسان وكثرة المواهب والحنان والرأفة فجميع ما فيه العالم العلوي والسفلي من حصول المنافع والمحاب والمسار والخيرات فإن ذلك منه ومن رحمته وجوده وكرمه وفضله كما أن ما صرف عنهم من المكاره والنقم والمخاوف والأخطار والمضاد فإنها من رحمته وبره فإنه لا يأتى بالحسنات إلا هو ولا يدفع السيئات إلا هو ((ورحمته سبقت غضبه)) (من حديث أبي هريرة رواه البخاري (7422) وغيره). ((وغلبته)) ( وفي لفظ: ((غلبت)) من حديث أبي هريرة رواه البخاري (7422) ومسلم (2751) وغيرهما). وظهرت في خلقه ظهورا لا ينكر حتى ملأت أقطار السموات والأرض وامتلأت منها القلوب حتى حنت المخلوقات بعضها على بعض بهذه الرحمة التي نشرها عليهم وأودعها في قلوبها وحتى حنت البهائم التى لا ترجوا نفعا ولا عاقبة ولا جزاء على أولادها وشوهد من رأفتها بهم وشفقتها العظيمة ما يشهد بعناية باريها ورحمته الواسعة وعمت مواهبه أهل السموات والأرض ويسر لهم المنافع والمعايش والأرزاق وربطها بأسباب ميسرة وطرق مسهلة فما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها وعلم تعالى من مصالحهم ما لا يعلمون وقدر لهم فيها ما لا يريدون وما لا يقدرون وربما أجرى عليهم مكاره توصلهم إلى ما يحبون بل رحمهم بالمصائب والآلام فجعل الآلام كلها خيرا للمؤمن الذي يقوم بوظيفة الصبر ((عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له وليس ذلك إلا للمؤمن)) ((من حديث صهيب رضي الله عنه رواه مسلم (2999) وغيره)) ((...وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (216) البقرة)) وكذلك ظهرت رحمته في أمره وشرعه ظهورا تشهده البصائر والأبصار ويعترف به أولوا الألباب فشرعه نور ورحمة وهداية وقد شرعه محتويا على الرحمة وموصلا إلى أجل رحمة وكرامة وسعادة وفلاح وشرع فيه من التسهيلات والتيسرات ونفي الحرج والمشقات ما يدل أكبر دلالة على سعة رحمته وجوده وكرمه ومناهيه كلها رحمة لأنها لحفظ أديان العباد وحفظ عقولهم وأعراضهم وأبدانهم وأخلاقهم وأموالهم من الشرور والأضرار فكل النواهي تعود إلى هذه الأمور وأيضا الأوامر سهلها وأعان عليها بأسباب شرعية وأسباب قدرية وذلك من تمام رحمته كما أن النواهي جعل عليها من العوائق والموانع ما يحجز العباد عن مواقعتها إلا من أبى وشرد ولم يكن فيه خير بالكلية وشرع أيضا من الروادع والزواجر والحدود ما يمنع العباد ويحجزهم عنها ويقلل من الشرور شيئا كبيرا وبالجملة فشرعه وأمره نزل بالرحمة واشتمل على الرحمة وأوصل إلى الرحمة الأبدية والسعادة السرمدية.
(الشرح)
(الشيخ) بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك، على عبدالله رسوله نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه أجمعين، أما بعد: فالمؤلف الشيخ العلامة عبدالرحمن السعدي رحمه الله تعالى أفاض في الرحمة وتكلم على وبين هذه الأسماء الرحمن والرحيم والبر والكريم والجواد والوهاب والرؤوف ومن المعلوم أن الرحمة رحمتان:
الأولى: رحمة هي وصف الله قائم به سبحانه وتعالى.
والثانية: ورحمة مخلوقة، ومنه ما جاء في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((احتجت الجنة والنار، فقالت النار في المتكبرون والجبارون، وقالت الجنة في ضعفاء الناس ومساكينهم، أو سقطهم، أوكما جاء في الحديث فقال الله عز وجل: للجنة أنت رحمتي أرحم بك من أشاء وقال للنار أنت عذابي أعذب بك من أشاء)) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، رواه مسلم (2846) وغيره. وأنت رحمتي هذه هي الرحمة المخلوقة وكذلك ثبت في الحديث الصحيح (( من حديث سلمان رضي الله عنه في مسلم (2753) وغيره)) أن الله تعالى خلق مائة رحمة، وأمسك منها تسعة وتسعين جزء، وأنزل في الأرض جزء فبها بهذا الجزء يتراحم في الخلائق، حتى إن دابة لترفع حافرها عن ولدها خشية أن يصيبه، ثم في يوم القيامة يمسك هذا الجزء، ويكمل بها المائة، فيرحم بها عبادة يوم القيامة)) هذه الرحمة المخلوقة، أما الرحمة التي وصف الله، وصف قائم به، كالعلم، والقدرة، والسمع، والبصر، والرحمة، كلها صفات قائمة بذاته سبحانه وتعالى، تليق بجلاله، وعظمته، وهذه الرحمة المخلوقة، هي من آثار رحمته سبحانه وتعالى التي هي وصفه سبحانه، والمؤلف رحمه الله لما ذكر الرحمن، والرحيم، والبر، والكريم، والجواد، والوهاب، والرؤوف، قال هذه الأسماء الكريمة متقارب معناها، وكلها تدل على أنه موصوف بكمال الرحمة، وسعة البر، والإحسان، وكثرة المواهب، والحنان، والرأفة، وجميع ما في العالم العلوي، والسفلي، من المنافع والمحاب والمسار، كلها أثر من آثار رحمته سبحانه وتعالى، وجوده، وكرمه، وفضله، وكذلك أيضا ما صرف الله تعالى عن العباد، من المكاره، والنقم، والمخاوف، والأخطار، والمضار، كلها من رحمة الله تعالى، وبره، وإحسانه، لعباده فإنه سبحانه لا يأتي بالحسنات إلا هو ولا يدفع السيئات إلا هو ومن رحمة الله تعالى لعباده أن رحمته سبقت غضبه كما جاء في الحديث: ((ورحمتي سبقت غضبي)) (من حديث أبي هريرة رواه البخاري (7422) وغيره). وفي لفظ: ((غلبت غضبي)) من حديث أبي هريرة رواه البخاري (7422) ومسلم (2751) وغيرهما). كما بين المؤلف رحمه الله أن رحمته تعالى ((سبقت غضبه وغلبته)) وأنه ظهر ذلك في الخلق ظهورا واضحا لا ينكر، حتى ملأ ملأت أقطار السموات والأرض، وامتلأت بها القلوب، ومن ذلك أن الله تعالى علم من مصالح العباد ما لا يعلمون، وقدر لهم فيها ما لا يريدون، وما لا يقدرون، ومن رحمته سبحانه وتعالى أنه يجري على العباد من المكاره، ما يكون سببا في وصولهم إلى ما يحبون، كما جاء في الحديث ما معناه أن المؤمن يبلغ الدرجة العالية في الجنة لا يبلغها بعمل وإنما بالمصائب والأمراض التي تصيبه والمكاره ((نحوا من هذا الحديث حديث جابر رضي الله عنه، رواه الترمذي (2402) بلفظ ((يَوَدُّ أَهْلُ العَافِيَةِ يَوْمَ القِيَامَةِ حِينَ يُعْطَى أَهْلُ البَلَاءِ الثَّوَابَ لَوْ أَنَّ جُلُودَهُمْ كَانَتْ قُرِضَتْ فِي الدُّنْيَا بِالمَقَارِيضِ )) )) وهذا من رحمة الله تعالى بعباده حيث جعل الآلام كلها خيرا للمؤمن كما في الحديث الذي ساقه المؤلف ((عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير إن أصابته سراء شكر فكان خير له وإن أصابه ضراء صبر فكان خير له وليس ذلك إلا لمؤمن)) ((من حديث صهيب رضي الله عنه رواه مسلم (2999) وغيره)) فالمؤمن أمره كله خير السراء والضراء كلها خير له إذا صبر علي الضراء وشكر على السراء أما الكافر كما جاء في الحديث ((أنه كالبعير يعقله أهله ثم يطلقونه لا يدري لما عقلوه ولا لما أطلقوه)) في شعب الإيمان للبيهقي (9445). أما المؤمن فأحواله كلها خير؛ لأنها تقلب بين السراء فيشكر، والضراء فيصبر، وقد يلم بالذنب فيستغفر ويتوب، فالمؤمن إذا تقلب بين هذه الأحوال الثلاثة:
الحال الأول: إما في ضراء والعبودية فيها الصبر.
والحال الثانية: وإما في سراء العبودية فيها الشكر.
والحال الثالثة: وإما في ذنب فالعبودية التوبة والاستغفار.
فإذا كان المؤمن يتوب إذا وقع في الذنب ويستغفر، ويصبر إذا أصابته الضراء، ويشكر إذا كان في السراء، فإن هذه علامة السعادة وعنوان السعادة وعنوان سعادة المرء
أن يكون صابرا عند الضراء، شاكرا عند السراء، تائبا مستغفرا عند الوقوع في الذنب، ولهذا وصف الله تعالى المؤمنين المتقين بأنهم لا يصرون علي الذنب، وليس هم معصومين، ولهذا قال الله تعالى في وصف المؤمنين: ((وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) آل عمران)) ثم قال: ((أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ )) بعد الأوصاف السابقة ((أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (136) آل عمران)) وبين المؤلف رحمه الله، أن رحمة الله ظاهرة في أوامره، وشرعه، ظهورا تشهده البصائر، والعقول، وأن شرع الله نور، ورحمة، وهداية، وشرعه محتوي على الرحمة، ومن رحمة الله بعباده؛ أنه شرع لهم من التسهيلات والتيسيرات، ونفي الحرج والمشقات، ما هو أكبر دليل على سعة رحمة الله، وجوده، وكرمه، وبين المؤلف أن المناهي كلها رحمة؛ لأنها لحفظ الدين، ولحفظ العقل، ولحفظ العرض، ولحفظ البدن، ولحفظ الخُلق، فهي في المناهي ما نهي الله عنه يكونون لحفظ الدين، أو لحفظ العقل، أو لحفظ العرض، أو لحفظ البدن، والأخلاق، والأموال، من الشرور، ومن الأضرار، ومن رحمة الله بعباده؛ أن الأوامر سهلها الله على عباده، وأعانهم عليها بأسباب شرعية، وبأسباب قدرية، وهذا من تمام رحمة الله تعالى، ومن رحمة الله بعباده، أن النواهي جعل عليها حواجز، وعوائق، تحجر العباد عن مواقعتها، جعل لها أسبابا تمنع العبد من أن يصل إليها، مثلا الزنا من الفواحش، جعل الله تعالى الحجاب حجاب المرأة ، والستر، وعدم خلوة الرجل بالمرأة، وغير ذلك من الأسباب، والعوائق، التي تمنع وقوع الفاحشة، كذلك أيضا شرع الحدود، روادع، وزواجر، تمنع العباد من وصول إلى المحرمات التي حرمها، وتقلل الشرور، ثم بين المؤلف رحمه الله أجمل ذلك بقوله: وبالجملة والخلاصة: أن شرع الله وأمره نزل بالرحمة، واشتمل على الرحمة، وأوصل إلى الرحمة الأبدية، والسعادة السرمدية، هذا هو الخلاصة، الخلاصة المؤلف رحمه الله اختصر خلاصة الكلام، أن شرع الله أن شرع الله وأمره نزل بالرحمة، واشتمل على الرحمة، وأوصل إلى الرحمة الأبدية والسعادة السرمدية، فالحمد لله على فضله، وإحسانه، ونعمته، وكرمه، سبحانه ونسأله سبحانه أن يهدينا صراطه المستقيم، وأن يثبتنا على دينه القويم، وأن يتوفنا على الإسلام، غير مغيرين ولا مبدلين، إنه ولي ذلك والقادر عليه، نعم)
(المتن)
(قارئ المتن:) أحسن الله إليكم قال رحمه الله الخالق البارئ المصور أي هو المنفرد بخلق جميع المخلوقات وبرأ بحكمته جميع البريات وصور بإحكامه وحسن خلقه جميع الكائنات فخلقها وأبدعها وفطرها في الوقت المناسب لها وقدر خلقها أحسن تقدير وصنعها أتقن صنع وهداها لمصالحها أعطى كل شيء خلقه اللائق به ثم هدى كل مخلوق لما هيئ وخلق له وإذا كان هو الخالق وحده البارئ المصور لا شريك له في شيء من ذلك فهو الإله الحق الذي لا يستحق العبادة إلا هو وهو الخالق للذوات والأفعال والصفات وهو الذي يهدى من يشاء ويضل من يشاء ويجعل المؤمن مؤمنا والكافر كافرا من غير أن يجبر العباد على غير ما يريدون ففي عموم خلقه رد على القدرية حيث أخرجوا أفعال العباد وطاعتهم ومعاصيهم عن دخولها تحت خلقه وتقديره حذرا منهم وفرارا من الجبر ولم يدروا أن كماله وكمال قدرته ينفي الجبر وأنه قادر على جعل العبد يفعل ما يختاره ويريده جاريا على قدره ومشيئته فهو أعظم من أن يجبر العباد وأعدل من أن يظلمهم بل هم الذين يريدون ويختارون والله هو الذي جعلهم كذلك وإرادتهم وقدرتهم تابعة لمشيئة الله ((لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (28) وَما تَشاؤُنَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (29) التكوير))
(الشرح)
(شرح الشيخ:) نعم المؤلف رحمه الله تكلم على معاني هذه الأسماء الثلاثة، الخالق البارئ المصور، وأجمل ذلك بقوله: هو المنفرد بخلق جميع المخلوقات، وبرئ بحكمته جميع البريات، وصور بإحكامه وحسن خلقه جميع الكائنات، فخلقها وأبدعها وفطرها في الوقت المناسب لها، وقدر خلقها أحسن تقدير، لا شك أنه سبحانه هو المنفرد بخلق جميع المخلوقات، ولا يستطيع أحد من الخلق أن يخلق شيئا، ولو كان من أصغر المخلوقات، كما قال الله تعالى في كتابه العظيم: ((يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (73) الحج)) ولكن يأتي الخلق بمعني التقدير والتصوير، فهذا يضاف إلى العبد، كما قال الله تعالى عن عيسى عليه الصلاة والسلام: ((... وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي ... (110) المائدة )) تخلق أي تقدر وتصور، وكما يقول: ((...فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ (14) المؤمنون )) يعني المقدرين والمصورين، لا المنشئين المخترعين، فإن الخلق بمعني الإنشاء والإختراع خاص بالله، أما الخلق بمعنى التقدير والتصوير، فهذا يقدر عليه المخلوق، ولهذا قال الشاعر: وأن تفري ما خلقت يخاطب الرب وأنت تفري ما خلقت/ وبعض القوم يخلق ثم لا يفري
يعني تنفذ، أنت تنفذ ما قدرت، أما بعضهم فلا ينفذ، فمثلا المهندس يصور ويخطط، المخطط مخطط للعمارة، أوللبيت، هذا تصوير، أما التنفيذ شيء آخر، قد ينفذ، وقد لا ينفذ، قد ينفذ موافقا لما صوره، وقد لا ينفذ، فالله تعالى هو المنفرد بخلقه جميع المخلوقات، بالإيجاد والاختراع، وهو الذي أوجد المخلوقات من العدم، ولا يشاركه فيه أحد سبحانه وتعالى، وهو الذي برئ جميع البريات، من أسمائه البارئ، هو الذي خلق، وذرأ، وبرأ، وهو المصور الذي طبع صور العالم كلها طبعها سبحانه وتعالى، وليس هناك بينها تشابه، مع كثرتها، كثرة الصور، والمخلوقات، فالله تعالى صورها وطبعها، بنوا آدم الآن يعني ملايين البشر، ومع ذلك كل واحد طبعه على صورة، لا يشتبه بالصورة الأخرى، فسبحان الله، سبحان الله، سبحان الخالق البارئ المصور، خلق المخلوقات، وأبدعها، وصورها، وأعطي كل شيء خلقه ((...الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى (50) طه )) هدى كل مخلوق لما هيئ له، وخلق له، هدى الطيور إلى أوكارها، هدى البهائم إلى مراعيها، هدى الطفل إلى ثدي أمه، هدى بني آدم والحيوانات الهداية العامة ((...الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى (50) طه )) عامة هذه الهداية ((...الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى (50) طه )) هذه عامة للحيوانات، والآدمين، والطيور، وغيرها، ((...الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى (50) طه )) هذا خاص بالله عز وجل فهو الخالق، وهو البارئ، وهو المصور، لا شريك له في شيء من ذلك، لا أحد يشاركه؛ لأنه الإله الحق، فهو الإله الحق، الذي لا يستحق العبادة إلا هو، هو الخالق للذوات، وللصفات، وللأفعال، وهو يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، خلافا للمعتزلة والقدرية الذين يقولون: أن العبد هو الذي يهدي نفسه، ويضل نفسه، هو الذي يهدي نفسه، ويضل نفسه؛ لأن عقيدتهم أن العباد خالقون لأفعالهم، فرارا من الجبر، كما ذكر المؤلف، إنهم قرروا هذا المذهب فرارا من القول بالجبر، فرارا من القول أن الله تعالى أجبر عباده على أفعالهم، ثم عذبهم عليها، حذروا فرارا من الجبر، رد المؤلف عليهم قال: ولم يدروا أن كماله وكمال قدرته ينفي الجبر، وأنه قادرا على جعل العبد يفعل ما يختاره ويريده، جاريا على قدرته ومشيئته، فهذا من جهلهم، وضلالهم، فجهلوا، ولم يدروا، أن كمال الرب وكمال قدرتهم ينفي الجبر، وأنه قادر سبحانه وتعالى، وأن الله قادر على جعل العبد يفعل ما يختاره ويريده، جاريا ذلك على قدرته ومشيئته، والله تعالى أعظم وأجل من أن يجبر العباد، وأعدل من أن يظلمهم، وقد نزه نفسه سبحانه وتعالى عن الظلم، ونفاه، وحرمه على نفسه، كرما منه وإحسانا، قال: (( ... لا ظُلْمَ الْيَوْمَ ... (17) غافر)) وفي الحديث الصحيح: حديث أبي ذر الذي رواه مسلم (2577) ((يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا)) فالله تعالى قادر، ولكنه تنزه، خلافا للجبرية من الجهمية وأنصارها، القائلين: بأن الظلم لا يدخل تحت المشيئة والقدرة، وقالوا: لله أن يفعل ما يشاء، والعياذ بالله حتى قالوا: له أن يبطل حسنات الأنبياء والأبرار، ويحملهم أوزار الفجار، ولا يكون هذا ظلما؛ لأنه يتصرف في ملكه كما يشاء، والظلم هو أن تصرف المالك في غير ملكه، والله مالك كل شيء، هكذا قال الجبرية، وهذا من جهلهم، وضلالهم، والله لو كان ظلم داخل تحت القدرة لما نفاه الله، ولما حرمه على نفسه، ولما أمن العباد منه، ولكنه سبحانه وتعالى هو قادر، الصواب أن الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، كأن يحرم أحد من ثواب حسناته، أو يحمله أوزار غيره، هذا هو الظلم، الذي تنزه الله عنه، ونفاه، (( ... لا ظُلْمَ الْيَوْمَ ... (17) غافر)) ((...وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (281) البقرة)) يعني حرمه من نفسه على نفسه ونفاه، وليس كما يقوله الجبرية من أن الظلم لا يدخل تحت القدرة، كالجمع بين النقيضين، وقالوا أن الظلم هو تصرف المالك في غير ملكه، أو مخالفة الآمر، والله هو الآمر، ويتصرف في ملكه، فلا يكن هناك ظلم، هذا من جهلهم، وضلالهم، ولكن الصواب كما قرر أهل السنة والجماعة، وكما دلت النصوص أن الله تعالى قادر، ولكنه تنزه عن الظلم، وحرمه من نفسه على نفسه، لم يحرمه عليه أحد، ونفاه، وأمن عباده منه سبحانه وتعالى، كرما منه وإحسانا، ومشيئة العباد تابعة لمشيئة الله، والعباد لهم قدرة، والله تعالى خالق العباد، وخالق قدرتهم، وأفعالهم، وهم والأفعال تنسب إليهم؛ لأنهم فعلوها باختيارهم، وإن كان الله خلقها وأوجدها، لكنهم فعلوها باختيارهم، وجعلهم الله تعالى يفعلون ما يختارون، ويريدون، وحتى العباد والناس يفرقون بين الشيء الذي لا يدخل تحته القدرة، والشيء الذي يدخل تحت القدرة، يمثلون لهذا بأنه لو كان الإنسان عبد أعمى، فإنه لا يأمره بأن ينقط المصحف ويشكله، وإن كان بصير يأمره، يأمره بأن يشكل المصحف وينقطه، ويجعل النقاط؛ لأن هذا قادر، وذاك ليس بقادر، فالجبرية يقولون: كل أفعال العبد اضطرارية، كحركة المرتعش، وحركة الأشجار، وهبوب الرياح، كلها اضطرارية، وهذا من جهلهم، وضلالهم، فيقولون: إن العبد ليس له فعل، والفعل لله، وإنما العباد وعاء، تمر عليهم الأفعال، كالماء يكب يصب في الكوز، فعمل العباد كالكوز، والله كصباب الماء فيه، نعوذ بالله، هكذا يقولون، فكل أفعال العباد اضطرارية، هذا من جهلهم، وضلالهم، وكل أحد يفرق بين الأفعال الاختيارية، والأفعال الاضطرارية، الإنسان لا يحاسب علي الأفعال الاضطرارية، حركة المرتعش، حركة النائم، حركة الأشجار، وحركة هبوب الرياح، أما ما يفعله الإنسان ويختاره بفعله، فهذه هي الأفعال الاختيارية، التي يحاسب عليها الإنسان، يفعله باختياره، قادر على الذهاب، وعلى المجيء، وعلى الخروج، الإنسان جالس يستطيع أن يقوم، يستطيع أن يجلس، يستطيع أن يذهب، يستطيع أن يمشي، يطالب بحقوقه، ويجيب من سأله، ويدافع عن نفسه، كلها هذه أفعال اختيارية، معروفة عند الخاص والعام، وليست كالأفعال الاضطرارية التي لا صنع للإنسان فيها، كحركة المرتعش، والنائم، وحركات هبوب الرياح للأشجار، ومشيئة العباد تابعة لمشيئة الله، كما قال الله تعالى: ((وَما تَشاؤُنَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (30) الإنسان)) ((لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (28) وَما تَشاؤُنَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (29) التكوير)) نعم
(المتن)
(قارئ المتن): أحسن الله إليكم قال رحمه الله العزيز الجبار المتكبر القهار القوي المتين العزيز الذي له جميع معاني العزة إن العزة لله جميعا فهو العزيز لكمال قوته وهذه عزة القوة ويرجع إلى هذا المعني القوي المتين وعزة الامتناع عن مغالبة أحد وعن أن يقدر عليه أحد أو يبلغ العباد ضره فيضروه أو نفعه فينفعوه وامتناعه وتكبره عن جميع ما لا يليق بعظمته وجلاله من العيوب والنقائص وعن كل ما ينافي كماله ويرجع إليها معني المتكبر مع أن المتكبر اسم دال علي كمال العظمة ونهاية الكبرياء مع دلالته على المعني المذكور وهو تكبره وتنزه عما لا يليق بعظمته ومجده وجلاله المعني الثالث عزة القهر الدال عليه اسم القهار الذي قهر بقدرته جميع المخلوقات ودانت له جميع الكائنات فنواصي العباد كلهم بيده وتصاريف الملك وتدبيراته بيده والملك بيده فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن فالعالم العلوي والعالم السفلي بما فيها من المخلوقات العظيمة كلها قد خضعت في حركاتها وسكناتها وما تأتي وما تذر لمليكها ومدبرها فليس لها من الأمر شيء ولا من الحكم شيء بل الأمر كله لله والحكم الشرعي والقدري والجزائي كله لله لا حاكم إلا هو ولا رب غيره ولا إله سواه والعزة بمعني القهر هي أحد معاني الجبار ومن معاني الجبار أنه العلي الأعلى الذي على العرش استوي وعلى الملك احتوي وعلى السلطان وأنواع التصاريف استولى ومن معاني الجبار معني يرجع إلى لطف الرحمة والرأفة وهو الذي يجبر الكسير ويغني الفقير ويجبر المريض والمبتلي ويجبر جبرا خاص قلوب المنكسرين بجلاله الخاضعين لكماله الراجين لفضله ونواله بما يهيضه على قلوبهم من المحبة وأنواع المعارف الربانية والفتوحات الإلهية والهداية والإرشاد والتوفيق والسداد.
(الشرح)
(شرح الشيخ): المؤلف رحمه الله بين معاني العزيز والجبار والمتكبر والقهار والقوي المتين وبين أن العزيز الذي له جميع معاني العزة كما قال الله تعالى: (( ... إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً ... (65) يونس )) وأنها ثلاث أنواع: عزة القوة، وعزة الامتناع، وعزة القهر،
النوع الأول: عزة القوة لأنه تعالى هو العزيز؛ لكمال قوته وقدرته، ويرجع إلى هذا اسم القوي والمتين، إلى القوة والغلبة إلى القوة.
والنوع الثاني: عزة الامتناع فهو سبحانه ممتنع عن مغالبة أحد ولا يبلغ العباد ضره فيضروه ولا يبلغ نفعه فينفعوه كما جاء في الحديث القدسي حديث أبي ذر الذي رواه مسلم (2577) ((يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي، فَتَنْفَعُونِي)) فلا يبلغ العباد ضره ولا نفعه سبحانه وتعالى، فهذا كل معاني عزة الامتناع، وامتناعه سبحانه؛ يدخل في ذلك تكبره عن جميع ما لا يليق بعظمته وجلاله من العيوب والنقائص، كل هذا تحت درجة الامتناع، فالعيوب والنقائص كلها ممتنعة منفية عن الله عز وجل، ويرجع إلى معنى المتكبر، والمتكبر أيضا من معانيه؛ أنه دال على كمال العظمة ونهاية الكبرياء.
وأما النوع الثالث فهي عزة القهر، ويدل عليها اسم الله القهار؛ الذي قهر بقدرته جميع المخلوقات، جميع المخلوقات قهرها سبحانه وتعالى بقدرته، وجميع الكائنات والمخلوقات كلها دانت له، واستكانت، وخضعت، ونواصي العباد كلها بيد الله، وتصاريف المُلك وتدبيراته، والملك كله بيد الله عز وجل، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، ومن معاني العزة عزة القهر، أن جميع العالم العلوي والسفلي بما فيهم من المخلوقات كلها خضعت لله، في حركاتها وسكناتها، وما تأتي وما تذر، كلها لله تعالى؛ فهو مالكها ومدبرها، وليس لها من الأمر شيء، وما من الحكم شيء، ولما أراد سبحانه وتعالى خلق السموات والأرض قال تعالى: ((... فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ (11) فصلت)) فالأمر كله لله، والحكم كله لله، والحكم ثلاث أنواع: حكم الشرع، وحكم الجزاء، وحكم القدر.
النوع الأول: حكم الشرع: ما أنزله الله تعالى على رسله وأنبيائه، من الشرع، فيما يحكم به سبحانه وتعالى، ويشرعه لعباده.
والنوع الثاني: الحكم القدري: ما يقدره الله تعالى على العباد من المصائب، ومن الأمراض، ومن النعم، وغيرها، هذا كله داخل في الحكم القدري، مما يقدره الله تعالى للعباد من صحة ومرض وقوة ونعمة، وما يكون في هذا الكون، وما يكون على العبد، كله داخل في الحكم القدري.
والنوع الثالث: الحكم الجزائي: يكون يوم القيامة، الله تعالى يحكم بين عباده بنفسه، ويجازيهم بأعمالهم يوم القيامة، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، ((فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8) الزلزلة )) فالحكم لله، الحكم الشرعي، في الدنيا بما أنزله في كتبه، وعلى ألسنة رسله من الشرائع، التي شرعها لعباده، والحكم القدري، الأقدار التي يقدرها الله تعالى لعباده، أما الحكم الجزائي، مجازاة الله تعالى لعباده يوم القيامة بأعمالهم، فهو الحاكم سبحانه وتعالى، وهو الرب، وهو الإله، لا حاكم إلا هو، ولا رب غيره، ولا إله سواه، بل الآلة كلها باطلة، ألوهية الحق لله عز وجل، كما قال سبحانه وتعالى: ((ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْباطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (30) لقمان)) والعزة بمعني القهر، يقولون فيها أحد معاني الجبار، ومن معاني الجبار أنه العلي الأعلى، الذي على العرش استوى، ومن معاني الجبار أيضا، معنى اللطيف، وهو يرجع إلى لطف الله ورحمته، فهو يجبر الكسير، ويغني الفقير، ويجبر المريض والمبتلى، ويجبر قلوب العباد المنكسرة بجلاله الخاضعين لكماله؛ يفيض على قلوبهم من المحبة، وأنواع المعارف، والفتوحات الإلهية، كل هذا من معاني الجبار معنى اللطيف، فالجبار له معنيان: الأول: من معانيه أنه العلي الأعلى، الذي على العرش استوى، وعلي الملك احتوى، وعلى السلطان وأنواع التصاريف استولي.
والثاني: من معانيه ما يرجع إلى لطف الله ورحمته؛ في جبره للمنكسرين، وإغنائه للفقير، وجبره للمريض والمبتلى، وهو كذلك أيضا من معانيه ما يفيض على قلوب المنكسرين والخاضعين لكماله والراجين لفضله من المحبة، وأنواع المعارف الربانية، والفتوحات الإلهية، والهداية، والإرشاد، والتوفيق، والسداد، فنسأل الله أن يوفقنا، ويهدينا، ويسددنا، فإنه سبحانه وتعالى، منه الهداية، ومنه الإرشاد، ومنه التوفيق والسداد، نعم
(المتن)
(قارئ المتن): قال رحمه الله الملك المالك للملك أي الذي له جميع النعوت العظيمة الشأن التي تفرد بها ملك الملوك من كمال القوة والعزة والقدرة والعلم المحيط والحكمة الواسعة ونفوذ المشيئة وكمال التصرف وكمال الرأفة والرحمة والحكم العام للعالم العلوي والعالم السفلي والحكم العام في الدنيا والآخرة والحكم العام للأحكام الثلاثة التي لا تخرج عنها جميع الموجودات:
الأول: الأحكام القدرية حيث جرت الأقدار كلها والإيجاد والإعدام والإحياء والإماتة والإيجاد والإعداد والإمداد كلها على مقتضي قضائه وقدره.
الثاني: الأحكام الشرعية حيث أرسل رسله، وأنزل كتبه، وشرع شرائعه وخلق الخلق لهذا الحكم وأمرهم أن يمشوا على حكمه في عقائدهم وأخلاقهم وأقوالهم وأفعالهم وظاهرهم وباطنهم ونهاهم عن مجاوزة هذا الحكم الشرعي كما أخبرهم أن كل حكم يناقض حكمه فهو شر جاهلي من أحكام الطاغوت.
الثالث: الأحكام الجزائية وهو الجزاء علي الأعمال خيرها وشرها في الدنيا والآخرة وإثابة الطائعين وقوة العاصين وتلك الأحكام كلها تابعة لعدله وحكمته وحمده العام فهذه النعوت من معاني ملكه ومن معاني ملكه أن جميع الموجودات كلها ملكه وعبيده المفتقرون إليه المضطرون إليه في جميع شئونهم ليس لأحد خروج عن ملكه ولا لمخلوق غنى عن إيجاده وإمداده ونفعه ودفعه ومن معاني ملكه إنزال كتبه وإرسال رسله وهداية العالمين وإرشاد الضالين وإقامة الحجة والمعذرة على المعاندين المكابرين ووضع الثواب والعقاب مواضعها وتنزيل الأمور منازلها كما أن من معاني ملكه أنه كل يوم في شأن يغفر ذنبا ويفرج كربا ويكشف غما ويزيل المشقات ويغيث اللهفات ويجبر الكثير ويغني الفقير ويهدي ضالا ويخذل معرضا موليا ويعز قوما ويذل آخرين ويرفع قوما ويضع آخرين ويغير ما شاء من الأمور الجارية على نظام واحد ليعرف العباد كمال ملكه ونفوذ مشيئته وعظمة سلطانه فالملك يرجع إلى ثلاثة أمور صفات الملك التي هي صفاته العظيمة وملكه للتصاريف والشئون في جميع العوالم وأن جميع الخلق مماليكُه وعبيده فهو الملك الذي له ملك العالم العلوي والسفلي وله التدبيرات النافذة فيها ليس لله في شيء من ذلك مشارك.
(الشرح)
(شرح الشيخ): سبحانه لا إله إلا الله، نعم، المؤلف رحمه الله أفاض في معنى الملك المالك للملك، من أسمائه الملك، ومن أسماء المالك ملك، ومالك ((ملك يوم الدين)) ((ومالك يوم الدين)) قراءتان ((ملك يوم الدين)) ((مالك يوم الدين)) فهو الملك، والمالك، للملك معنى هذا، قال المؤلف رحمه الله: معنى هذا، أن جميع نعوت العظيمة الشان التي تفرد بها ملك الملوك، يعني له جميع النعوت العظيمة الشان، التي تفرد بها سبحانه وتعالى، فهو ملك الملوك، وحاكم الحكام، هذا من وصفه سبحانه وتعالى، من كمال القوة، وكمال العزة، وكمال القدرة، وهو سبحانه موصوف بالعلم المحيط، والحكمة الواسعة، ونفوذ المشيئة، وله كمال التصرف سبحانه وتعالى، وله كمال الرأفة والرحمة، وهو الحاكم للعالم العلوي، والعالم السفلي، والحاكم العام في الدنيا والآخرة، وبين المؤلف رحمه الله كما أن الأحكام، أحكام الله تعالى ثلاث أنواع: قال لا تخرج عنها جميع الموجودات، كما سبق في الكلام عليها، في العزيز والجبار والمتكبر والقهار، المؤلف رحمه الله فصلها هنا، وقال: الله تعالى له الحكم العام للأحكام الثلاثة التي لا تخرج عنها جميع الموجودات وهي: الأحكام القدرية، والأحكام الشرعية، والأحكام الجزائية، فالأحكام القدرية ما يقدره الله تعالى على العباد من خير وشر، من محاب مما يحبون، ومما يكرهون، فالمقادير كلها جرت بها الإيجاد، والإعداد، والإمداد، والإحياء، والإماتة، كلها على مقتضى فضله وقدره، يعني جرت أقدار الله تعالى كلها من الإيجاد والإعدام، والإحياء والإماتة، والإيجاد والإعداد والإمداد، جميع ما يكون في الكون فهو من أحكام الله القدرية، لا يكون في كونه كله ما لا يريد، الله تعالى على كل شيء قدير، وهو المتصرف سبحانه وتعالى في خلقه، ولا يمكن أن يقع شيء ولم يقدره الله؛ لأنه سبحانه هو الملك، وهو القادر، وهو المدبر، وهو الخالق، وغير مخلوق، وهو الرب، وغير مربوب، وهو المالك، وغير مملوك، وهو المدبر وغيره مُدَبَّر، وإذا كان كذلك، فجميع ما يقع في الكون، فهو بإرادة الله الكونية والقدرية، أراده كونا وقدرا، لأن الإرادة تنقسم إلى قسمين: إرادة كونية خلقية قدرية، وإرادة دينية أمرية شرعية، فالإرادة الكونية القدرية شاملة عامة، لكل ما يقع في الكون، وشاملة للمؤمن والكافر، بخلاف الإرادة الدينية الشرعية الأمرية، فهذه خاصة بالمؤمن، وقد تقع، وقد لا تقع، الإرادة الدينية الشرعية من العبد، بخلاف الإرادة الكونية، فإنها لا بد من وقوعها، إذا أراد الله شيئا وقدر شيئا لا بد من وقوعه، بخلاف الإرادة الدينية الشرعية، لأن الإرادة الكونية القدرية، مرادفة للمشيئة، وما شاء الله لا بد من وقوعه، أما الإرادة الدينية الشرعية، فهي مرادفة للمحبة والرضا، فالله تعالى يريد دينا وشرعا، ويحب ويرضى مهما شرعه ولكن قد يقع، وقد لا يقع، فإن وافق مع قدره الله وشاءه كونا وقدرا وقع الإرادة الدينية، وإن لم يوافق لم تقع، فالله تعالى أراد الإيمان من جميع الناس دينا وشرعا، ودعاهم إلى الإيمان، وإلى جنته، ولكن منهم من هداه الله، فاستجاب لله ورسوله، واستجاب لما أمر الله، ومنهم من لم يهده الله، كما قال الله تعالى: ((وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ ... (25) يونس)) يدعوا كل الناس مؤمنهم وكافرهم، والله يدعوا إلى دار السلام، أما الهداية، ((... وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (25) يونس)) فالهداية خاصة بالمؤمنين، هداية التوفيق والتسديد، أما الهداية بمعني البيان والإرشاد والدعاء، فهذا عامة للمؤمن وللكافر، كما قال الله تعالى: ((وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ ... (25) يونس)) وهداية الدلالة والإرشاد يقدر عليها الرسول عليه الصلاة والسلام ويقدر عليها الدعاة والمصلحون كما قال الله تعالى لنبيه الكريم: ((... وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (52) الشورى)) أما هداية التوفيق والتسديد، وخلق الهداية في القلوب، وكونه يرضى الحق ويقوله، فهذا إلى الله، كما قال الله تعالى لنبيه: ((إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ ... (56) القصص )) فهذه هداية التوفيق والإلهام والسداد، نفها الله عن نبيه صلى الله عليه وسلم، أما هداية الدلالة والإرشاد، فقد أتاها الله لنبيه صلى الله عليه وسلم، قال: ((... وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (52) الشورى)) وبهذا يتبين أن الأحكام القدرية كلها، المراد بها الإرادة الكونية الخلقية القدرية، لا تتخلف، فما أراده الله كونا وقدرا، فلا بد أن يقع، أما الإرادة الدينية الشرعية، تقع من المؤمن إذا هداه الله، وأراده، منه دينا وشرعا، هداه الله ،من هداه الله سبحانه وتعالى، فإنها تتحقق في حقه الإرادة الدينية الشرعية، ومن لم يرد الله هدايته، فلا تقع منه الإرادة الدينية الشرعية.
الثاني: قال المؤلف: الثاني: الأحكام الشرعية: وهي ما شرعه الله في كتبه التي أنزلها على رسله، وأنبيائه، قال المؤلف: والأحكام الشرعية حيث أرسل رسله، وأنزل كتبه، وشرع شرائعه، وخلق الخلق بهذا الحكم، هذه الإرادة الشرعية، ما شرعه الله فيه، وما أنزله على عباده من الشرائع والأحكام التي شرعها لعباده، وأمرهم بها، وكلفهم سبحانه بالأوامر والنواهي، بفعل الأوامر، واجتناب النواهي. والثالث: الأحكام الجزائية، وهذا يكون فيه يوم القيامة، جزاء الأعمال خيرها وشرها، وأن يثيب المطيعين، ويعاقب العاصين، وهذه هي الأحكام تابعة لعبادة الله، وحكمه، وحمده العام.
ثم بين المؤلف: أن من معاني ملك الله أن جميع الموجودات كلها ملك لله، وكل العباد مفتقرون إلى الله، وكل العباد مضطرون إليه في جميع شئونهم، ولا أحد يخرج عن ملكه، ولا يخرج أحد من المخلوقات عن إيجاده، وإمداده، هذه من معاني ملكه، ومن معاني ملكه إنزال الكتب، وإرسال الرسل، وهداية العالمين، وهداية من هداه الله من الناس، وإرشاد الضالين، وإقامة الحجة، وهداية العالمين، هداية بمعني البيان والإشهاد والإيضاح، كما قال الله تعالى: ((وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ ... (17) فصلت)) يعني دللناهم وأرشدناهم ومن معاني ملكه إنزال الكتب، وإرسال الرسل، وهداية العالمين، وإرشاد الضالين، وإقامة الحجة على الناس، وبين المؤلف رحمه الله: أن من معاني ملك الله تصرفه سبحانه وتعالى وتدبيره أمور خلقه، فهو يغفر الذنب، ويفرج الكرب، ويكشف الغم، ويزيل المشقات، ويجبر الكسير، ويغني الفقير، ويهدي الضال، ويغفر المعرض ويعز ويذل، ويرفع ويخفض، هذا كله من تصرفه سبحانه وتعالى وتدبيره، فهو المدبر المتصرف، وقال المؤلف رحمه الله: إن الملك يرجع إلى ثلاث أمور صفات الملك التي هي من صفات العظمة صفات الملك التي هي صفاته العظيمة، وملكه للتصاريف والشئون في جميع العوالم، وأن جميع الخلق مماليكه وعبيده، فهو الملك الذي له ملك العالم العلوي والسفلي، وهو المدبر الذي له تدبيرات نافذة، التي لا يشاركه فيها أحد، فالملك يرجع إلى صفات الملك التي هي صفاته العظيمة، وملك للتصاريف والشئون في جميع العالم، وأن جميع الخلق مماليكه وعبيده، فهو سبحانه الملك الذي له ملك العالم العلوي وملك العالم السفلي، وله التدبيرات النافذة، ليس لله في شيء من ذلك مشارك، سبحانه بحمده، نعم.
(المتن)
(قارئ المتن): أحسن الله إليكم اسم الله المليك
(الشرح)
(شرح الشيخ): (نعم الظاهر بأن الملك هو المليك كلها متقاربة مثل ملك ومالك ومليك).
(المتن)
(قارئ المتن): أحسن الله إليكم قال رحمه الله: القدوس السلام أي الذي له قدس وطهارة وتعظيم وتقدس عن صفات النقص فالقدوس يرجع إلى صفات العظمة وإلى السلامة من العيوب والنقائص كما أن السلام يدل علي المعنى الثاني فهو السالم من كل عيب وآفة ونقص ومجموع ما ينزه عنه شيئان:
أحدهما: أنه منزه عن كل ما ينافي صفات كماله فإن له المنتهى في كل صفة كمال فهو موصوف بكمال العلم وكمال القدرة منزه عن ما ينافي ذلك من النسيان والغفلة وأن يعزب عنه مثقال ذرة في السموات والأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر ومنزه عن العجز والتعب والإعياء واللغوب وموصوف بكمال الحياة والقيومية منزه عند ضدها من الموت والسِّنة والنوم وموصوف بالعدل والغنى التام ومنزه عن الظلم والحاجة إلى أحد بأي وجه من الوجوه وموصوف بكمال الحكمة والرحمة منزه عن ما يضد ذلك من العبث والسفه وأن يفعل أو يشرع ما ينافي الحكمة والرحمة.
(الشرح)
(شرح الشيخ): لعلنا نقف على ذلك لأن ما في وقت، الوقت متأخر.
(المتن)
(قارئ المتن): أحسن الله إليكم، قول المؤلف: والحكم العام للأحكام الثلاثة التي لا تخرج عنها جميع الموجودات هل يريد أن جميع الموجودات تأتي على الثلاثة الأحكام ولا اثنين.
(الشرح)
(شرح الشيخ): (إيش الحكم العام).
(قارئ المتن): أحسن الله إليكم قال الحكم العام للأحكام الثلاثة الملك المالك للملك والحكم العام للأحكام الثلاثة التي لا تخرج عنها جميع الموجودات هل ذلك بأن هذه الأحكام الثلاثة لا بد تأتي على كل موجود أو أن أي موجود لا يخرج عن واحد منها ياشيخ.
(شرح الشيخ): المؤلف (قارئ المتن): السطر الرابع فيه الملك المالك للملك (شرح الشيخ): نعم السطر الرابع (قارئ المتن): أي نعم يا شيخ (قارئ المتن): قال والحكم العام للأحكام الثلاثة (شرح الشيخ): التي لا تخرج منها (قارئ المتن): عنها جميع الموجودات
(الشرح)
(شرح الشيخ): العالم العلوي والعالم السفلي والحكم العام في الدنيا والآخرة الحكم العام للأحكام الثلاثة
(قارئ المتن): هل جميع الموجودات لا بد تأتي عليها الأحكام الثلاثة أو أنه أي موجود لا بد أن يأتي عليه واحد منها
(الشرح)
(شرح الشيخ): أنواع الحكم العام يعني جميع الموجودات لا تخرج عن هذه الثلاثة، الحكم العام للعالم العلوي، والحكم العام للعالم السفلي، والحكم العام في الدنيا والآخرة، الحكم العام للعالم العلوي، والحكم العام للعالم السفلي، والحكم العام في الدنيا والآخرة، يعني جميع الموجودات إما عالم علوي وإما عالم سفلي وإما حكم عام في الدنيا والآخرة، جميع الموجودات لا تخرج عنها هذه الثلاثة، يعني إما عالم علوي، فالله تعالى هو الحاكم، وإما عالم سفلي، فالله تعالى هو الحاكم، وإما حكمها في الدنيا والآخرة، فالله تعالى هو الحاكم، لا تخرج عنها جميع الموجودات، جميع الموجودات: إما علوي، وإما سفلي، وإما عام في الدنيا والآخرة، هذا المقصود يعني أن الثلاثة يعني جميع الموجودات لا تخرج عنها جميع الموجودات إما عالم علوي، والله تعالى يتصرف فيه، وإما عالم سفلي، والله يتصرف فيه، وإما عام في الدنيا والآخرة والله يتصرف فيه في الدنيا والآخرة.
(المتن)
(قارئ المتن): يعني ليس المراد القدرية والشرعية والجزائية.
(الشرح)
(شرح الشيخ): لا الحكم العام العلوي العالم إما علوي، وإما سفلي، والله تعالى هو الحاكم، وهو المتصرف في العالم العلوي، وهو المتصرف في العالم السفلي، وإما حكم عام في الدنيا والآخرة، والله تعالى متصرف فيه، حكم عام في الدنيا وفي الآخرة، الأحكام الجزائية في الدنيا، والأحكام الجزائية في الآخرة، والأحكام القدرية في الدنيا، فالله تعالى هو الحاكم سبحانه.
( أحد الطلبة ) أحسن الله إليكم قوله رحمه الله ومن معاني الجبار أنَّه العلي الأعلى، الذي على العرش استوى، وعلى الملك احتوى، وعلى السلطان وأنواع التصاريف استولى. (شرح الشيخ): هذا إيش وعلى ( أحد الطلبة ) وعلى السلطان ومنع التصاريف استولى.
(الشرح)
(شرح الشيخ): وعلى السلطان استولى، على السلطان، يعني السلطان الملك، السلطان استولى على الملك، يعني الله تعالى هو المالك، أما الاستواء العرش هذا استوى على العرش، علا وارتفع وصعد، واستوى عليه استواء يليق بجلالته وعظمته، بمعني أنه هو الغالب، مثل القهار الغالب.
( أحد الطلبة ) تفسير استوى باستولى. أحد يغالبه، والله لا يغالبه أحد.
(الشرح)
(شرح الشيخ): لا، هذا في الرد على من تأول الاستواء على العرش، قال استولى، لكن هذا ليس المراد، المراد هنا القهر، والقوة، والغلبة، وليس المراد أن هناك أحد يغالبه، إنما هذا يقال في الرد على من فسر استوى على العرش، بمعني استولى، أما هذا بمعنى استولى بمعنى أنه قهر جميع المخلوقات، فهو القاهر، وهو الغلاب، وهو المهيمن، وهو المتصرف، وهو المدبر، ولا يلزم من ذلك أن يكون هناك أحد يغالبه ما يلزم.
( أحد الطلبة ) أحسن الله إليكم ذكر في الدرس الماضي رحمه الله توحيد الأسماء والصفات من توحيد الربوبية
(الشرح)
(شرح الشيخ): أي نعم توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات أصل واحد، وهو التوحيد العلمي الخبري، التوحيد العلمي الخبري، يشمل توحيد الربوبية، هي ما يتعلق بالرب سبحانه وتعالى بذاته، وأفعاله، وأسمائه، وصفاته. والثاني: التوحيد الإرادي الطلبي كما أصله نوعان: توحيد علمي خبري، وتوحيد إرادي طلبي، التوحيد العلمي الخبري، يشمل توحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات، لكن فصل توحيد الأسماء عن توحيد الربوبية، لما دار حوله من الشبه، وأثير حوله من الاختلاف، فجعل نوعا مستقلا، شيخ الإسلام ابن القيم جعله نوعان: التوحيد العلمي الخبري، وهو توحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات، وتوحيد إرادي طلبي وهو توحيد العبادة والألوهية.
( أحد الطلبة ) أحسن الله إليكم لكن هل توحيد الربوبية داخل في الأسماء والصفات والعكس.
(شرح الشيخ): لا
( أحد الطلبة ) لكن توحيد الأسماء والصفات يدخل فيه توحيد الربوبية.
(شرح الشيخ): نعم توحيد الربوبية يدخل فيه هو الرب والرب هذا من أسماءه وصفاته من أسمائه الرب، من أسمائه الخالق، من أسمائه القهار.
(قارئ المتن): أحسن الله إليكم. (شرح الشيخ): وفق الله الجميع وثبت الله الجميع وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين.
