|
الاعْتِصَامُ لِلْإِمَامِ إِبْرَاهِيْمَ بْنِ مُوْسَى بْنِ مُحَمَّدِ اللَّخْمِيِّ الغِرْنَاطِيِّ الشَّهِيْرِ بِالشَّاطِبِيِّ شرح فضيلة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله الراجحي - حفظه الله – جي ميل: salhmohamed884@gmail.com واتس آب: 01023591348/002
|
بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام عَلَى نَبِيُّنَا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إِلَى يوم الدين؛ أما بعد:
(المتن)
قال الإمام الشاطبي رحمه الله في كتاب الاعتصام:
فصل: الْوَجْهُ الثَّانِي مِنَ النَّقْلِ: مَا جَاءَ فِي الْأَحَادِيثِ الْمَنْقُولَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَهِيَ كَثِيرَةٌ تَكَادُ تَفُوتُ الْحَصْرَ إِلَّا أَنَّا نَذْكُرُ مِنْهَا مَا تَيَسَّرَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى الْبَاقِي وَنَتَحَرَّى فِي ذَلِكَ بِحَوْلِ اللَّهِ مَا هُوَ أَقْرَبُ إِلَى الصِّحَّةِ.
فَمِنْ ذَلِكَ مَا فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وصحبه وَسَلَّمَ، قَالَ: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ؛ فَهُوَ رَدٌّ». وَفِي رِوَايَةٍ لِـمُسْلِمٍ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا؛ فَهُوَ رَدٌّ».
وَهَذَا الْحَدِيثُ عَدَّهُ الْعُلَمَاءُ ثُلُثَ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ جَمَعَ وَجْوه الْمُخَالَفَةِ لِأَمْرِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ مَا كَانَ بِدْعَةً أَوْ مَعْصِيَةً.
(الشرح)
«من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه» هذا رواه الشيخان، ورواية مسلم: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد»؛ وهذا ميزان للأعمال الظاهرة، كما أن حديث: «إنما الأعمال بالنيات»؛ ميزان للأعمال الباطنة؛ ولذلك قال العلماء: إنه ثلث، وقالوا من الوجه الآخر: إنه نصف الدين، هذا نصف الدين، والنصف الثاني: «إنما الأعمال بالنيات» فيكون الدين باطن وظاهر، «إنما الأعمال بالنيات» هذا ميزان الأعمال الباطنة، «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه» هذا ميزان للأعمال الظاهرة، فيكون نصف الدين من هذه الحيثية.
(المتن)
وَخَرَّجَ مُسْلِمٌ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ».
(الشرح)
هذا فيه التحذير من البدع، ووجوب اتباع السنة ولزومها.
(المتن)
وَفِي رِوَايَةٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ النَّاسَ، يَحْمَدُ اللَّهَ، ثم يُثْنِي عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ يَقُولُ: «مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَخَيْرُ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرُ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ، وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ».
وَفِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ: «وَكُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلُّ بِدْعَةٍ فِي النَّارِ».
(الشرح)
وهذا دليل على أن البدع كلها محدثة، وكلها ضلال، وليس في البدع شيءٌ حسن، كما يظن بعض الناس أنه بدعة حسنة؛ هذا قد يكون ليس ببدعة، وإنما هو من المصالح المرسلة، فيظن بعض الناس أنه من البدع، يقول: جمع أبو بكر المصحف، جمع عثمان، هذا كله من البدع؛ هذا من المصالح المرسلة.
فإن قيل: (...) إن صلاة الضحى أحدثوها بعد النبي صلى الله عليه وسلم؟.
هذا ابن عمر كان يُنكر على من يصلي الضحى في المسجد، يقول: هذه الصلاة في البيوت، يرى أنها من السنة أن تكون الضحى في البيوت؛ وهذا المقصود يعني.
فإن قيل: (...)؟.
هذا مشهور عن عمر لما جمع الناس في صلاة التراويح.
(المتن)
وَذَكَرَ أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ يَخْطُبُ بِهَذِهِ الْخُطْبَةِ.
وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَوْقُوفًا وَمَرْفُوعًا: أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: "إِنَّمَا هُمَا اثْنَتَانِ: الْكَلَامُ، وَالْهُدَى، فَأَحْسَنُ الْكَلَامِ كَلَامُ اللَّهِ، وَأَحْسَنُ الْهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ، أَلَا وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ شَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، إِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ".
وَفِي لَفْظٍ: "غَيْرَ أَنَّكُمْ سَتُحْدِثُونَ وَيُحْدَثُ لَكُمْ، فَكُلُّ مُحْدَثَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ"، وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَخْطُبُ بِهَذَا كُلَّ خَمِيسٍ.
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْهُ: "إِنَّمَا هُمَا اثْنَتَانِ: الْهُدَي، وَالْكَلَامُ، فَأَفْضَلُ الْكَلَامِ، أَوْ أَصْدَقُ الْكَلَامِ كَلَامُ اللَّهِ، وَأَحْسَنُ الْهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ، وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، ألا وَكُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ.
(الشرح)
وهذا فيه دليل على أن البدع كلها منهي عنها، وأنها حدث في الدين.
(المتن)
أَلَا لَا يَتَطَاوَلَنَّ عَلَيْكُمُ الْأَمْرُ فَتَقْسُوَ قُلُوبُكُمْ، وَلَا يُلْهِيَنَّكُمُ الْأَمَلُ، فَإِنَّ كُلَّ مَا هُوَ آتٍ قَرِيبٌ، أَلَا إِنَّ بَعِيدًا مَا لَيْسَ آتِيًا.
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْهُ: "أَحْسَنُ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَأَحْسَنُ الْهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ، وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَ ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾[الأنعام/134].
وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ مَرْفُوعًا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ شَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ»، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ.
(الشرح)
وإياكم؛ تحذير، صيغة تحذير إياكم؛ يعني احذروا محدثات الأمور، وهي الأمور التي تُحدث في الدين، مما ليس له أصلٌ في كتاب الله وسنة نبيه r.
(المتن)
وَفِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ دَعَا إِلَى الْهُدَى؛ كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ يَتْبَعُهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ، كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ يَتْبَعُهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا.
(الشرح)
لا حول ولا قوة إلا بالله، هذا قدرة الخير، وهذا قدرة الشر.
(المتن)
وَفِي الصَّحِيحِ أَيْضًا عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ سَنَّ سُنَّةَ خَيْرٍ فَاتُّبِعَ عَلَيْهَا؛ فَلَهُ أَجْرُهُ، وَمِثْلُ أُجُورِ مَنِ اتَّبَعُهُ غَيْرَ مَنْقُوصٍ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا وَمَنْ سَنَّ سُنَّةَ شَرٍّ فَاتُّبِعَ عَلَيْهَا؛ كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهُ وَمِثْلُ أَوْزَارِ مَنِ اتَّبَعَهُ غَيْرَ مَنْقُوصٍ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا» أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ.
(الشرح)
لا حول ولا قوة إلا بالله، هذا فيه التحذير من البدع، وأن المبتدع عليه إثم من تسبب في ضلاله.
(المتن)
وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا وَصَحَّحَهُ، وَأَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُمَا عَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ. فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَأَنَّ هَذَا مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ، فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا؟ فَقَالَ: «أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا».
(الشرح)
السمع والطاعة؛ هي يعني لولي الأمر في المعروف، وهذا في المعروف؛ لقول النبي في الحديث الآخر: «إنما الطاعة في المعروف»، يسمع ويطيع لولي الأمر في المعروف.
(المتن)
«فَإِنَّهُ مَنْ يَعِيشُ مِنْكُمْ بَعْدِي؛ فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» وَرُوِيَ عَلَى وُجُوهٍ مِنْ طُرُقٍ.
وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ حُذَيْفَةَ رضي الله عنه: أَنَّهُ قَالَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ؟ قَالَ: نَعَمْ؛ قَوْمٌ يَسْتَنُّونَ بِغَيْرِ سُنَّتِي، وَيَهْتَدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي, قَالَ: فَقُلْتُ: هَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الخير مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: نَعَمْ، دُعَاةٌ عَلَى باب جَهَنَّمَ، مَنْ أَجَابَهُمْ، قَذَفُوهُ فِيهَا, قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صِفْهُمْ لَنَا, قَالَ: نَعَمْ؛ هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا، وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا ,قُلْتُ: فَمَا تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟ قَالَ: تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ».
(الشرح)
وهذا هو الشاهد في هذا قال: «تلزم جماعة المسلمين وإمامهم» قال: فإن لم يكن جماعة ولا إمام؟ قال: «فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يأتيك الموت وأنت على ذلك» الشيخ يقول: تلزم جماعة المسلمين، لزوم الجماعة وإمامهم، التحذير من الشذوذ والاختلاف والفرقة.
(المتن)
قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لم إِمَامٌ وَلَا جَمَاعَةٌ؟ قَالَ: فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهُا، وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ، حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ» وَخَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ عَلَى نَحْوٍ آخَرَ.
وَفِي حَدِيثِ الصَّحِيفَةِ: الْمَدِينَةُ حَرَمٌ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إِلَى ثَوْرٍ، مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا، أَوْ آوَى مُحْدِثًا؛ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ.
(الشرح)
وهذا من باب الوعيد، من أحدث حدثًا، أو آوى محدثًا، من أحدث في الدين ما ليس منه، ما أُدخل في الدين مما ليس منه.
(المتن)
«أَوْ آوَى مُحْدِثًا؛ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا».
(الشرح)
نسأل الله العافية، يعني لا فريضة ولا نافلة.
(المتن)
وَهَذَا الْحَدِيثُ فِي سِيَاقِ الْعُمُومِ، فَيَشْمَلُ كُلَّ حَدَثٍ أُحْدِثَ فِيهَا مِمَّا يُنَافِي الشَّرْعَ، وَالْبِدَعُ مِنْ أَقْبَحِ الْحَدَثِ.
(الشرح)
إذا لم تكن البدعة حدث فما الحدث؟! البدع من أقبح الحدث في الدين.
(المتن)
وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهِ مَالِكٌ رحمه الله به فِي مَسْأَلَةٍ تَأْتِي فِي مَوْضِعِهَا بِحَوْلِ اللَّهِ، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ مُخْتَصًّا بِالْمَدِينَةِ؛ فَغَيْرُهَا أَيْضًا يَدْخُلُ فِي الْمَعْنَى.
وَفِي الْمُوَطَّأِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ إِلَى الْمَقْبَرَةِ: فَقَالَ: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ» الْحَدِيثَ إِلَى أَنْ قَالَ فِيهِ: «فَلَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي كَمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ، أُنَادِيهِمْ أَلَا هَلُمَّ، أَلَا هَلُمَّ، ألا هلم فَيُقَالُ: إِنَّهُمْ قَدْ بَدَّلُوا بَعْدَكَ؛ فَأَقُولُ: فَسُحْقًا فَسُحْقًا فَسُحْقًا».
(الشرح)
وهذا الشاهد: «بدلوا»؛ هذا رواه البخاري في الصحيح، بدلوا، «سحقًا سحقًا» يعني: بعدًا لمن بدل، والمحدث في الدين ما ليس منه قد بدل، هذا على ما فهمه المؤلف إنه يُطرد الكفار والمنافقون والمبتدعة فلا يردون الحوض، نسأل الله السلامة والعافية.
(المتن)
حَمَلَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُمْ أَهْلُ الْبِدَعِ، وَحَمَلَهُ آخَرُونَ عَلَى الْمُرْتَدِّينَ عَنِ الْإِسْلَامِ.
(الشرح)
الذين لا يردون عن الحوض، حمله جماعة من أهل البدع، وحمله جماعة من المرتدين، المرتدين أن الله عزَّ وجلَّ قال: «إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم»؛ وهذا ظاهره الردة.
(المتن)
وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَى الْأَوَّلِ مَا خَرَّجَهُ خَيْثَمَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ؛ قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رضي الله عنه، فَقُلْتُ: إِنَّ هَاهُنَا قَوْمًا يَشْهَدُونَ عَلَيْنَا بِالْكُفْرِ وَالشِّرْكِ، وَيُكَذِّبُونَ بِالْحَوْضِ وَالشَّفَاعَةِ، فَهَلْ سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ شَيْئًا؟ قَالَ: نَعَمْ؛ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «بَيْنَ الْعَبْدِ وَبين الْكُفْرِ والشِّرْكِ تَرْكُ الصَّلَاةِ، فَإِذَا تَرَكَهَا فَقَدْ أَشْرَكَ، وَحَوْضِي كَمَا بَيْنَ أَيْلَةَ إِلَى مَكَّةَ، أَبَارِيقُهُ كَنُجُومِ السَّمَاءِ، أَوْ قَالَ: كَعَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ، لَهُ مِيزَابَانِ مِنَ الْجَنَّةِ، كُلَّمَا نَضَبَ أَمَدَّاهُ، مَنْ شَرِبَ مِنْهُ شَرْبَةً لَمْ يَظْمَأْ بَعْدَهَا أَبَدًا، وَسَيَرِدُهُ أَقْوَامٌ ذَابِلَةٌ شِفَاهُهُمْ، فَلَا يُطْعَمُونَ مِنْهُ قَطْرَةً وَاحِدَةً. مَنْ كَذَّبَ بِهِ الْيَوْمَ، لَمْ يُصِبْ مِنْهُ الشَّرَابَ يَوْمَئِذٍ».
فَهَذَا الْحَدِيثُ يدل عَلَى أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ، فَنِسْبَتُهُمْ أَهْلَ الْإِسْلَامِ إِلَى الْكُفْرِ مِنْ أَوْصَافِ الْخَوَارِجِ، وَالتَّكْذِيبُ بِالْحَوْضِ مِنْ أَوْصَافِ أَهْلِ الِاعْتِزَالِ وَغَيْرِهِمْ.
مَعَ مَا فِي حَدِيثِ "الْمُوَطَّأِ" مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَلَا هَلُمَّ»؛ لِأَنَّهُ عَرَفَهُمْ بِالْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيلِ الَّذِي جَعَلَهُ مِنْ خَصَائِصِ أُمَّتِهِ، وَإِلَّا فَلَوْ لَمْ يَكُونُوا مِنَ الْأُمَّةِ؛ لَمْ يَعْرِفْهُمْ بِالْعَلَامَةِ الْمَذْكُورَةِ.
