بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام عَلَى نَبِيُّنَا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إِلَى يوم الدين؛ أما بعد:
(المتن)
يقول الإمام الشاطبي رحمه الله:
وَخَرَّجَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْهُ أَيْضًا؛ قَالَ: «مَنْ أَحْدَثَ رَأْيًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَلَمْ تَمْضِ بِهِ سُنَّةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لَمْ يَدْرِ مَا هُوَ عَلَيْهِ إِذَا لَقِيَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ».
وَخَرَّجَ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّهُ قَالَ يومًا: «إِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ فِتَنًا، يَكْثُرُ فِيهَا الْمَالُ، وَيُفْتَحُ فِيهَا الْقُرْآنُ، حَتَّى يَأْخُذَهُ الْمُؤْمِنُ وَالْمُنَافِقُ، وَالرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ، وَالصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ، وَالْعَبْدُ وَالْحُرُّ، فَيُوشِكُ قَائِلٌ أَنْ يَقُولَ: مَا لِلنَّاسِ لَا يَتَّبِعُونِي وَقَدْ قَرَأْتُ الْقُرْآنَ؟ مَا هُمْ بِمُتَّبِعِيَّ حَتَّى أَبْتَدِعَ لَهُمْ غَيْرَهُ، وَإِيَّاكُمْ وَمَا ابْتُدِعَ، فَإِنَّ مَا ابْتُدِعَ ضَلَالَةٌ، وَأُحَذِّرُكُمْ زَيْغَةَ العالم، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَقُولُ كَلِمَةَ الضَّلَالَةِ عَلَى لِسَانِ الْحَكِيمِ، وَقَدْ يَقُولُ الْمُنَافِقُ كَلِمَةَ الْحَقِّ»
قَالَ الرَّاوِي: قُلْتُ لِمُعَاذٍ: وَمَا يُدْرِينِي يَرْحَمُكَ اللَّهُ أَنَّ الْحَكِيمَ قَدْ يَقُولُ كَلِمَةَ الضَلَالَةٍ، وَأَنَّ الْمُنَافِقَ قَدْ يَقُولُ كَلِمَةَ الْحَقِّ؟
قَالَ: "بَلَى! اجْتَنِبْ مِنْ كَلَامِ الْحَكِيمِ الْمُشْتَهِرَاتِ الَّتِي يُقَالُ فِيهَا: مَا هَذِهِ؟ وَلَا يَثْنِيَنَّكَ ذَلِكَ عَنْهُ، فَإِنَّهُ لَعَلَّهُ أَنْ يُرَاجِعَ، وَتَلَقَّ الْحَقَّ إِذَا سَمِعْتَهُ، فَإِنَّ عَلَى الْحَقِّ نُورًا".
وَفِي رِوَايَةٍ مَكَانَ (الْمُشْتَهِرَاتِ): الْمُشْتَبِهَاتِ، وَفُسِّرَ بِأَنَّهُ مَا تَشَابَهَ عَلَيْكَ مِنْ قَوْلٍ الحكيم، حَتَّى يُقَالَ: مَا أَرَادَ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ؟ وَيُرِيدُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ مَا لَمْ يَشْتَمِلْ ظَاهِرُهُ عَلَى مُقْتَضَى السُّنَّةِ، حَتَّى تُنْكِرَهُ الْقُلُوبُ، وَيَقُولَ النَّاسُ: مَا هَذِهِ؟ وَذَلِكَ رَاجِعٌ إِلَى مَا يُحْذَرُ مِنْ زَلَّةِ الْعَالِمِ حَسْبَمَا يَأْتِي بِحَوْلِ اللَّهِ.
قال: وَمِمَّا جَاءَ عَمَّنْ بَعْدَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ: مَا ذَكَرَ ابْنُ وَضَّاحٍ عَنِ الْحَسَنِ؛ قَالَ: صَاحِبُ الْبِدْعَةِ لَا يَزْدَادُ اجْتِهَادًا -صِيَامًا وَصَلَاةً- إِلَّا ازْدَادَ مِنَ اللَّهِ بُعْدًا.
وَخَرَّجَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ: أَنَّهُ قَالَ: "لِأَنْ أَرَى فِي الْمَسْجِدِ نَارًا لَا أَسْتَطِيعُ إِطْفَاءَهَا، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَرَى فِيهِ بِدْعَةً لَا أَسْتَطِيعُ تَغْيِيرَهَا".
وَعَنِ الْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ: "اتَّبِعْ طُرُقَ الْهُدَى وَلَا يَضُرُّكَ قِلَّةُ السَّالِكِينَ، وَإِيَّاكَ وَطُرُقَ الضَّلَالَةِ وَلَا تَغْتَرَّ بِكَثْرَةِ الْهَالِكِينَ".
(الشرح)
صحيح, الزم الحق ولو كنت وحدك.
(المتن)
وَعَنِ الْحَسَنِ، قال: "لَا تُجَالِسْ صَاحِبَ هَوًى فَيَقْذِفَ فِي قَلْبِكَ مَا تَتَّبِعُهُ عَلَيْهِ فَتَهْلِكَ، أَوْ تُخَالِفَهُ فَيَمْرَضَ قَلْبُكَ".
وَعَنْهُ أَيْضًا فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾[البقرة/183]؛ قَالَ: "كَتَبَ اللَّهُ صِيَامَ رَمَضَانَ عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ كَمَا كَتَبَهُ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَهُمْ، فَأَمَّا الْيَهُودُ؛ فَرَفَضُوهُ، وَأَمَّا النَّصَارَى؛ فَشَقَّ عَلَيْهِمُ الصَّوْمُ، فَزَادُوا فِيهِ عَشْرًا، وَأَخَّرُوهُ إِلَى أَخَفِّ مَا يَكُونُ عَلَيْهِمْ فِيهِ الصَّوْمُ مِنَ الْأَزْمِنَةِ".
فَكَانَ الْحَسَنُ إِذَا حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيثِ؛ قَالَ: "عَمَلٌ قَلِيلٌ فِي سُّنَّةٍ خَيْرٌ مِنْ عَمَلٍ كَثِيرٍ فِي بِدْعَةٍ".
(الشرح)
وكل هذا في التحذير من البدع، وأنه ينبغي الحذر منها، والمبتدعين، وعدم مجالستهم، وعدم سماع كلامهم.
(المتن)
وَعَنْ أَبِي قِلَابَةَ: "لَا تُجَالِسُوا أَهْلَ الْأَهْوَاءِ، وَلَا تُجَادِلُوهُمْ؛ فَإِنِّي لَا آمَنُ أَنْ يَغْمِسُوكُمْ فِي ضَلَالَتِهِمْ، وَيُلَبِّسُوا عَلَيْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْرِفُونَ".
قَالَ أَيُّوبُ: "وَكَانَ وَاللَّهِ مِنَ الْفُقَهَاءِ ذَوِي الْأَلْبَابِ".
وَعَنْهُ أَيْضًا: أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: "إِنَّ أَهْلَ الْأَهْوَاءِ أَهْلُ ضَلَالَةٍ وَلَا أَرَى مَصِيرَهُمْ إِلَّا إِلَى النَّارِ".
(الشرح)
أهل الأهواء: أهل البدع.
(المتن)
وَعَنِ الْحَسَنِ: "لَا تُجَالِسْ صَاحِبَ بِدْعَةٍ فَإِنَّهُ يُمْرِضُ قَلْبَكَ".
وَعَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: "مَا ازْدَادَ صَاحِبُ بِدْعَةٍ اجْتِهَادًا، إِلَّا ازْدَادَ مِنَ اللَّهِ بُعْدًا".
وَعَنْ أَبِي قِلَابَةَ: "مَا ابْتَدَعَ رَجُلٌ بِدْعَةً إِلَّا اسْتَحَلَّ السَّيْفَ".
(الشرح)
نسأل الله العافية، يعني تؤدي به هذه البدعة إلى استحلال السيف والقتال.
(المتن)
وَكَانَ أَيُّوبُ يُسَمِّي أَصْحَابَ الْبِدَعِ خَوَارِجَ، وَيَقُولُ: "إِنَّ الْخَوَارِجَ اخْتَلَفُوا فِي الِاسْمِ، وَاجْتَمَعُوا عَلَى السَّيْفِ".
(الشرح)
لأنهم يكفرون بالمعصية، فنهى عن التشبه بهم.
(المتن)
وَخَرَّجَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: "كَانَ رَجُلٌ فَقِيهٌ يَقُولُ: مَا أُحِبُّ أَنِّي هَدَيْتُ النَّاسَ كُلَّهُمْ وَأَضْلَلْتُ رَجُلًا وَاحِدًا".
وَخَرَّجَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: "لَا يَسْتَقِيمُ قَوْلٌ إِلَّا بِعَمَلٍ، وَلَا قَوْلٌ وَلَا عَمَلٌ إِلَّا بِنِيَّةٍ، وَلَا قَوْلٌ وَلَا عَمَلٌ وَلَا نِيَّةٌ، إِلَّا مُوَافِقًا لِلسُّنَّةِ".
(الشرح)
وهذا صحيح، لا يستقيم القول إلا بعمل، ولا يستقيم العمل إلا بنية، ولا يستقيم النية إلا باتباع السنة؛ هذا لابد منه.
(المتن)
وَذَكَرَ الْآجُرِّيُّ أَنَّ ابْنَ سِيرِينَ كَانَ يَرَى أَسْرَعَ النَّاسِ رِدَّةً أَهْلَ الْأَهْوَاءِ.
(الشرح)
وهم أهل البدع، أكثر الناس ردة، لقربهم من الكفر وهو البدعة.
(المتن)
وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ: "لا تجالسوا أصحاب الأهواء، وَلَا تُكَلِّمُوهُمْ إِنِّي أَخَافُ أَنْ تَرْتَدَّ قُلُوبُكُمْ".
وَعَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ قَالَ: "لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْ صَاحِبِ بِدْعَةٍ صِيَامًا، وَلَا صَلَاةً، وَلَا حَجًّا، وَلَا جِهَادًا، وَلَا عُمْرَةً، وَلَا صَدَقَةً، وَلَا عِتْقًا، وَلَا صَرْفًا، وَلَا عَدْلًا".
زَادَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْهُ: "وَلَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَشْتَبِهُ فِيهِ الْحَقُّ وَالْبَاطِلُ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ؛ لَمْ يَنْفَعْ فِيهِ دُعَاءٌ إِلَّا كَدُعَاءِ الْغَرَقِ".
وَعَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ؛ قَالَ: "إِذَا لَقِيتَ صَاحِبَ بِدْعَةٍ فِي طَرِيقٍ؛ فَخُذْ فِي طَرِيقٍ آخَرَ.
وَعَنْ بَعْضِ السَّلَفِ: "مَنْ جَالَسَ صَاحِبَ بِدْعَةٍ، نُزِعَتْ مِنْهُ الْعِصْمَةُ، وَوُكِلَ إِلَى نَفْسِهِ".
وَعَنِ الْعَوَّامِ بْنِ حَوْشَبٍ: أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لِابْنِهِ: "يَا عِيسَى، أَصْلِحْ أصلَح قَلْبَكَ وَأَقْلِلْ مَالَكَ".
وَكَانَ يَقُولُ: "وَاللَّهِ لَأَنْ أَرَى عِيسَى فِي مَجَالِسِ أَصْحَابِ الْبَرَابِطِ وَالْأَشْرِبَةِ وَالْبَاطِلِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَرَاهُ يُجَالِسُ أَصْحَابَ الْخُصُومَاتِ"، قَالَ ابْنُ وَضَّاحٍ: "يَعْنِي: أَهْلَ الْبِدَعِ".
(الشرح)
أهل البدع أشد من أهل المعاصي.
(المتن)
وَقَالَ رِجَالٌ لِـ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ: يَا أَبَا بَكْرٍ، مَنِ السُّنِّيُّ؟ قَالَ: "الَّذِي إِذَا ذُكِرَتِ الْأَهْوَاءُ لَمْ يَغْضَبْ لِشَيْءٍ مِنْهَا".
وَقَالَ يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ: "إِنَّ الَّذِي تُعْرَضُ عَلَيْهِ السُّنَّةُ فَيَقْبَلُهَا لْغَرِيبُ، وَأَغْرَبُ مِنْهُ صَاحِبُهَا".
وَعَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي عُمَرَ الشَّيْبَانِيِّ.
وَقَالَ رِجَالٌ لِـأَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ: يَا أَبَا بَكْرٍ، مَنِ السُّنِّيُّ؟ قَالَ: "الَّذِي إِذَا ذُكِرَتِ الْأَهْوَاءُ لَمْ يَغْضَبْ لِشَيْءٍ مِنْهَا".
(الشرح)
لا إذا ذُكرت الأهواء والبدع لابد أن يغضب؛ لأن الأهواء والبدع أشد من المعاصي.
فإن قيل: أنها إذا ذُكرت بذمٍ، أو أُنكرت أن يغضب.
(المتن)
وَقَالَ رِجَالٌ لِـأَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ: يَا أَبَا بَكْرٍ، مَنِ السُّنِّيُّ؟ قَالَ: "الَّذِي إِذَا ذُكِرَتِ الْأَهْوَاءُ لَمْ يَغْضَبْ لِشَيْءٍ مِنْهَا".
(الشرح)
يحتاج هذا إلى تأمل.
