بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ
(المتن)
يقول الإمام الشاطبي رحمه الله:
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الدَّقَّاقُ وَكَانَ مِنْ أَقْرَانِ الْجُنَيْدِ: "كُنْتُ مَارًّا فِي تِيهِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَخَطَرَ بِبَالِي أَنَّ عِلْمَ الْحَقِيقَةِ مُبَايِنٌ لِعِلْمِ الشَّرِيعَةِ، فَهَتَفَ بِي هَاتِفٌ: كُلُّ حَقِيقَةٍ لَا تَتْبَعُهَا الشَّرِيعَةُ فَهِيَ كُفْرٌ".
(الشرح)
الحقيقة هذا عامل بشيءٍ باطن يخالف الظاهر، القاعدة عند الصوفية، الصوفية عندهم الحقيقة، فإنهم يعملون بالحقيقة، وأهل الشرع يعملون بالشريعة، وهم يعملون بالحقيقة، يقولون: علم الحقيقة مقدم، يفسرون الشريعة بأمورٍ باطنة؛ هذا باطل، كل شيء يخالف الشريعة، يفسرون الصوم.
يقولون الصوم له ظاهر وباطن:
- ظاهره: صوم المسلمين.
- وباطنه: كتمان أسرار المشايخ.
والحج له ظاهر وله باطن:
- فظاهره: حج المسلمين لبيت الله.
- وباطنه: زيارة مشايخهم.
والصلاة لها ظاهر وباطن:
- الصلاة ظاهرها: صلاة المسلمين.
- وباطنها: معرفة أسرار الشيوخ؛ هذا كفر والعياذ بالله.
(المتن)
وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَوْزَجَانِيُّ: "مِنْ عَلَامَاتِ السَّعَادَةِ عَلَى الْعَبْدِ: تَيْسِيرُ الطَّاعَةِ عَلَيْهِ، وَمُوَافَقَةُ السُّنَّةِ فِي أَفْعَالِهِ، وَصُحْبَتُهُ لِأَهْلِ الصَّلَاحِ.
(الشرح)
لا شك أن هذا دليل السعادة.
(المتن)
وَحُسْنُ أَخْلَاقِهِ مَعَ الْإِخْوَانِ، وَبَذْلُ مَعْرُوفِهِ لِلْخَلْقِ وَاهْتِمَامُهُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَمُرَاعَاتُهُ لِأَوْقَاتِهِم".
وَسُئِلَ كَيْفَ الطَّرِيقُ إِلَى اللَّهِ؟ فَقَالَ: "الطُّرُقُ إِلَى اللَّهِ كَثِيرَةٌ وَأَوْضَحُ الطُّرُقِ وَأَبْعَدُهَا عَنِ الشُّبَهِ: اتِّبَاعُ السُّنَّةِ قَوْلًا وَفِعْلًا وَعَزْمًا وَعَقْدًا وَنِيَّةً؛ لِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور/54].
فَقِيلَ لَهُ: كَيْفَ الطَّرِيقُ إِلَى السُّنَّةِ؟ فَقَالَ: "مُجَانَبَةُ الْبِدَعِ، وَاتِّبَاعُ مَا اجْتمَعَ عَلَيْهِ الصَّدْرُ الْأَوَّلُ مِنْ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ، وَالتَّبَاعُدُ عَنْ مَجَالِسِ الْكَلَامِ وَأَهْلِهِ، وَلُزُومُ طَرِيقَةِ الِاقْتِدَاءِ، وَبِذَلِكَ أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل/123].
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ التِّرْمِذِيُّ: "لَمْ يَجِدْ أَحَدٌ تَمَامَ الْهِمَّةِ بِأَوْصَافِهَا إِلَّا أَهْلُ الْمَحَبَّةِ، وَإِنَّمَا أَخَذُوا ذَلِكَ من اتِّبَاعِ السُّنَّةِ وَمُجَانَبَةِ الْبِدْعَةِ، فَإِنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ كَانَ أَعْلَى الْخَلْقِ هِمَّةً، وَأَقْرَبَهُمْ زُلْفَةً".
وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْوَرَّاقُ: "لَا يَصِلُ الْعَبْدُ إِلَى اللَّهِ إِلَّا بِاللَّهِ، وَبِمُوَافَقَةِ حَبِيبِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شَرَائِعِهِ، وَمَنْ جَعَلَ الطَّرِيقَ إِلَى الْوُصُولِ فِي غَيْرِ الِاقْتِدَاءِ، يَضِلُّ مِنْ حَيْثُ يظن أَنَّهُ مُهْتَدٍ".
وَقَالَ: "الصِّدْقُ: اسْتِقَامَةُ الطَّرِيقِ فِي الدِّينِ، وَاتِّبَاعُ السُّنَّةِ فِي الشَّرْعِ".
وَقَالَ: "عَلَامَةُ مَحَبَّةِ اللَّهِ مُتَابَعَةُ حَبِيبِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ".
(الشرح)
إن الله يقول: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ﴾[آل عمران/31]؛ تسمى آية المحنة, قوم ادعوا محبة الله فامتحنهم الله بهذه الآية.
(المتن)
وَمِثْلُهُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ القصار، قَالَ: "عَلَامَةُ مَحَبَّةِ اللَّهِ: إِيثَارُ طَاعَتِهِ، وَمُتَابَعَةُ نَبِيِّهِ".
وَقَالَ أَبُو عليّ مُحَمَّدِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ: "لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنَ الْأَعْمَالِ إِلَّا مَا كَانَ صَوَابًا، وَمِنْ صَوَابِهَا إِلَّا مَا كَانَ خَالِصًا، وَمِنْ خَالِصِهَا إِلَّا مَا وَافَقَ السُّنَّةَ".
وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ شَيْبَانَ الْقِرْمِيسِينِيُّ صَحِبَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْمَغْرِبِيَّ وَإِبْرَاهِيمَ الْخَوَاصَّ، وَكَانَ شَدِيدًا عَلَى أَهْلِ الْبِدَعِ، مُتَمَسِّكًا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، لَازِمًا لِطَرِيقِ الْمَشَايِخِ وَالْأَئِمَّةِ، حَتَّى قَالَ فِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنَازِلٍ: إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَيْبَانَ حُجَّةُ اللَّهِ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَأَهْلِ الْآدَابِ وَالْمُعَامَلَاتِ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أبي سَعْدَانَ -وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ الْجُنَيْدِ- وَغَيْرِهِ: الِاعْتِصَامُ بِاللَّهِ هُوَ الِامْتِنَاعُ به مِنَ الْغَفْلَةِ وَالْمَعَاصِي وَالْبِدَعِ وَالضَّلَالَاتِ.
وَقَالَ أَبُو عُمَرَ الزَّجَّاجِيُّ وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ الْجُنَيْدِ وَالنوْرِيِّ وَغَيْرِهِمَا: "كَانَ النَّاسُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَتَّبِعُونَ مَا تَسْتَحْسِنُهُ عُقُولُهُمْ وَطَبَائِعُهُمْ، فَجَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَرَدَّهُمْ إِلَى الشَّرِيعَةِ وَالِاتِّبَاعِ، فَالْعَقْلُ الصَّحِيحُ الَّذِي يَسْتَحْسِنُ مَا يَسْتَحْسِنُهُ الشَّرْعُ، وَيَسْتَقْبِحُ مَا اسْتَقْبِحُهُ".
وَقِيلَ لِإِسْمَاعِيلَ بْنِ نجيد السُّلَمِيِّ جَدِّ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، وَلَقِيَ الْجُنَيْدَ وَغَيْرَهُ: مَا الَّذِي لَا بُدَّ لِلْعَبْدِ مِنْهُ؟ فَقَالَ: "مُلَازَمَةُ الْعُبُودِيَّةِ عَلَى السُّنَّةِ، وَدَوَامُ الْمُرَاقَبَةِ".
