بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله.
(المتن)
يقول المؤلف رحمة الله عليه:
وَقَالَ بُنَانٌ الْحَمَّالُ وَسُئِلَ عَنْ أَجلِ أَحْوَالِ الصُّوفِيَّةِ؟ فَقَالَ: الثِّقَةُ بِالْمَضْمُونِ وَسُئِلَ عَنْ أَجلِ أَحْوَالِ الصُّوفِيَّةِ؟ فَقَالَ: الثِّقَةُ بِالْمَضْمُونِ، وَالْقِيَامُ بِالْأَوَامِرِ، وَمُرَاعَاةُ السِّرِّ، وَالتَّخَلِّي منِ الْكَوْنَيْنِ".
وَقَالَ أَبُو حَمْزَةَ الْبَغْدَادِيُّ: "مَنْ عَلِمَ طَرِيقَ الْحَقِّ سَهُلَ عَلَيْهِ سُلُوكُهُ، وَلَا دَلِيلَ عَلَى الطَّرِيقِ إِلَى اللَّهِ إِلَّا مُتَابَعَةُ سُنَّةِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَحْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ.
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الرَّقَيُّ: "عَلَامَةُ مَحَبَّةِ اللَّهِ إِيثَارُ طَاعَتِهِ وَمُتَابَعَةُ نَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم"، وَدَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾[آل عمران/31].
وَقَالَ مَمْشَادُ الدِّينَوَرِيُّ: "آدَابُ الْمُرِيدِ فِي: الْتِزَامِ حُرُمَاتِ الْمَشَايِخِ، وَخدمة الْإِخْوَانِ، وَالْخُرُوجِ عَنِ الْأَسْبَابِ، وَحِفْظِ آدَابِ الشَّرْعِ عَلَى نَفْسِهِ".
وَسُئِلَ أَبُو عَلِيٍّ الرُّوذْبَارِيُّ عَمَّنْ يَسْمَعُ الْمَلَاهِيَ وَيَقُولُ: هِيَ لِي حَلَالٌ؛ لِأَنِّي قَدْ وَصَلْتُ إِلَى دَرَجَةٍ لَا يُؤَثِّرُ فِيَّ اخْتِلَافُ الْأَحْوَالِ. فَقَالَ: نَعَمْ، قَدْ وَصَلَ، وَلَكِنْ إِلَى سَقَرٍ".
(الشرح)
نعم هذه الصوفية، الصوفية يقولون: أن من روض نفسه، وعودها، وارتقى من درجة العامة إلى الدرجة الخاصة، وألغى صفاته وجعل الصفات لله، (..) سقط التكليف، أعاذنا الله؛ وهذا ردة على الإسلام، قال: من يسقط التكليف وعقله ثابت؛ فهو مرتد، ما في أحد يسقط عنه التكليف إلا إذا فُقد العقل؛ الصغير الذي لم يبلغ، المجنون، وكذلك أيضًا الكبير إذا وصل إلى درجة التخريف سقط عنه التكليف, والحائض والنفساء تسقط عنها الصلاة، وأما إذا كان عقله ثابت فلا يسقط عنه التكليف، ما قال لأحد يسقط عنه التكليف فيستتاب، فإن تاب وإلا قتل مرتدًا من قبل ولاة الأمور.
(المتن)
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنَازِلٍ: "لَمْ يُضَيِّعْ أَحَدٌ فَرِيضَةً مِنَ الْفَرَائِضِ؛ إِلَّا ابْتَلَاهُ اللَّهُ بِتَضْيِيعِ السُّنَنِ، وَلَمْ يُبْتَلَ بِتَضْيِيعِ السُّنَنِ أَحَدٌ؛ إِلَّا يُوشِكُ أَنْ يُبْتَلَى بِالْبِدَعِ. وَقَالَ أَبُو يَعْقُوبَ النَّهْرَجُورِيُّ: "أَفْضَلُ الْأَحْوَالِ مَا قَارَنَ الْعِلْمَ".
(الشرح)
لا شك العلم نور وبصيرة.
(المتن)
وَقَالَ أَبُو عَمْرِو بْنِ نُجَيْدٍ: " كُلُّ حَالٍ لَا يَكُونُ عَنْ نَتِيجَةِ عِلْمٍ؛ فَإِنَّ ضَرَرَهُ عَلَى صَاحِبِهِ أَكْثَرُ مِنْ نَفْعِهِ".
وَقَالَ بُنْدَارُ بْنُ الْحُسَيْنِ: "صُحْبَةُ أَهْلِ الْبِدَعِ تُورِثُ الْإِعْرَاضَ عَنِ الْحَقِّ".
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الطَّمَسْتَانِيُّ: "الطَّرِيقُ وَاضِحٌ، وَالْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ قَائِمَانِ بَيْنَ أَظْهُرِنَا، وَفَضْلُ الصَّحَابَةِ مَعْلُومٌ لِسَبْقِهِمْ إِلَى الْهِجْرَةِ وَلِصُحْبَتِهِمْ، فَمَنْ صَحِبَ مِنَّا الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ، وَتَغَرَّبَ عَنْ نَفْسِهِ وَالْخَلْقِ، وَهَاجَرَ بِقَلْبِهِ إِلَى اللَّهِ، فَهُوَ الصَّادِقُ الْمُصِيبُ".
وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ النَّصْرَابَاذِيُّ: "أَصْلُ التَّصَوُّفِ مُلَازَمَةُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَتَرْكُ الْبِدَعِ وَالْأَهْوَاءِ، وَتَعْظِيمُ حُرُمَاتِ الْمَشَايِخِ، وَرُؤْيَةُ أَعْذَارِ الْخَلْقِ، وَالْمُدَاوَمَةُ عَلَى الْأَوْرَادِ، وَتَرْكُ ارْتِكَابِ الرُّخَصِ وَالتَّأْوِيلَاتِ". وَكَلَامُهُمْ فِي هَذَا الْبَابِ يَطُولُ.
(الشرح)
هذا التصوف المحمود، التصوف الذي عليه الجنيد وغيره، وإلا فالتصوف المذموم، هم الذين يغلون ويصلون إلى القول بوحدة الوجود، يعني يقسموا الناس ثلاث أقسام: عامة، وخاصة، وخاصة الخاصة.
فالعامة: الأنبياء والرسل وأتباعهم، عليهم التكاليف وعليهم أوامر ونواهي، ولهم أذكار.
الخاصة: الذين ارتفعوا عن درجة العامة، وألغوا صفات (..) تسقط عنهم التكاليف، وليس عندهم معاصي فكل ما يفعلونه طاعة، حتى الزنى والسرقة وشرب الخمر؛ تكون طاعة, يقول قائل: أصبحت منفعل لما يختاره مني، ففعلي كله طاعات.
والطبقة الثالثة عندهم: أهل وحدة الوجود؛ الذين ليس عندهم طاعة ولا معصية، فالعبد هو الرب، والرب هو العبد، الوجود واحد يقولون هذا، نعوذ بالله؛ هم من أعظم الناس كفرًا وإلحادًا.
(المتن)
وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ النَّصْرَابَاذِيُّ: "أَصْلُ التَّصَوُّفِ مُلَازَمَةُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَتَرْكُ الْبِدَعِ وَالْأَهْوَاءِ، وَتَعْظِيمُ حُرُمَاتِ الْمَشَايِخِ، وَرُؤْيَةُ أَعْذَارِ الْخَلْقِ، وَالْمُدَاوَمَةُ عَلَى الْأَوْرَادِ، وَتَرْكُ ارْتِكَابِ الرُّخَصِ وَالتَّأْوِيلَاتِ".
وَكَلَامُهُمْ فِي هَذَا الْبَابِ يَطُولُ، وَقَدْ نَقَلْنَا عَنْ جُمْلَةٍ مِمَّنِ اشْتُهِرَ مِنْهُمْ نِيفُ عَلَى الْأَرْبَعِينَ شَيْخًا.
(الشرح)
نيفت؛ يعني زادت عن أربعين شيخ.
(المتن)
نيفُت عَلَى الْأَرْبَعِينَ شَيْخًا، جَمِيعُهُمْ يُشِيرُ أَوْ يُصَرِّحُ بِأَنَّ الِابْتِدَاعَ ضَلَالٌ وَالسُّلُوكَ عَلَيْهِ تِيهٌ، وَاسْتِعْمَالُهُ رَمْيٌ فِي عَمَايَةٍ، وَأَنَّهُ مُنَافٍ لِطَلَبِ النَّجَاةِ، وَصَاحِبُهُ غَيْرُ مَحْفُوظٍ، وَمَوْكُولٌ إِلَى نَفْسِهِ، وَمَطْرُودٌ عَنْ نَيْلِ الْحِكْمَةِ، وَأَنَّ الصُّوفِيَّةَ الَّذِينَ نُسِبَتْ إِلَيْهِمُ الطَّرِيقَةُ؛ مُجْمِعُونَ عَلَى تَعْظِيمِ الشَّرِيعَةِ، مُقِيمُونَ عَلَى مُتَابَعَةِ السُّنَّةِ، غَيْرُ مُخِلِّينَ بِشَيْءٍ مِنْ آدَابِهَا، أَبْعَدُ النَّاسِ عَنِ الْبِدَعِ وَأَهْلِهَا.
(الشرح)
هذا المستقيمون.
(المتن)
وَلِذَلِكَ لَا نَجِدُ مِنْهُمْ مَنْ يُنْسَبُ إِلَى فِرَقٍ مِنَ الْفِرَقِ الضَّالَّةِ، وَلَا مَنْ يَمِيلُ إِلَى خِلَافِ السُّنَّةِ، وَأَكْثَرُ مَنْ ذُكِرَ مِنْهُمْ عُلَمَاءُ وَفُقَهَاءُ وَمُحَدِّثُونَ، وَمِمَّنْ يُؤْخَذُ عَنْهُم الدِّينُ أُصُولًا وَفُرُوعًا، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ فَقِيهًا فِي دِينِهِ بِمِقْدَارِ كِفَايَتِهِ.
وَهُمْ كَانُوا أَهْلَ الْحَقَائِقِ وَالْمَوَاجِدِ وَالْأَذْوَاقِ وَالْأَحْوَالِ وَالْأَسْرَارِ التَّوْحِيدِيَّةِ، فَهُمُ الْحُجَّةُ لَنَا عَلَى كُلِّ مَنْ يَنْتَسِبُ إِلَى طَرِيقِهِمْ وَلَا يَجْرِي عَلَى مِنْهَاجِهِمْ، بَلْ يَأْتِي بِبِدَعٍ مُحْدَثَاتٍ، وَأَهْوَاءٍ مُتَّبَعَاتٍ، وَيَنْسُبُهَا إِلَيْهِمْ، تَأْوِيلًا عَلَيْهِمْ.
مِنْ قَوْلٍ مُحْتَمِلٍ، أَوْ فِعْلٍ مِنْ قَضَايَا الْأَحْوَالِ، أَوِ اسْتِمْسَاكًا بِمَصْلَحَةٍ شَهِدَ الشَّرْعُ بِإِلْغَائِهَا، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
فَكَثِيرًا مَا تَرَى الْمُتَأَخِّرِينَ مِمَّنْ يَتَشَبَّهُ بِهِمْ، يَرْتَكِبُ مِنَ الْأَعْمَالِ مَا أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى فَسَادِهِ شَرْعًا، وَيَحْتَجُّ بِحِكَايَاتٍ هِيَ قَضَايَا أَحْوَالٍ، إِنْ صَحَّتْ؛ لَمْ يَكُنْ فِيهَا حُجَّةٌ، لِوُجُوهٍ عِدَّةٍ، وَيَتْرُكُ مِنْ كَلَامِهِمْ وَأَحْوَالِهِمْ مَا هُوَ وَاضِحٌ فِي الْحَقِّ الصَّرِيحِ، وَالِاتِّبَاعِ الصَّحِيحِ، شَأْنُ مَنِ اتَّبَعَ مِنَ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ مَا تَشَابَهَ مِنْهَا.
وَلَمَّا كَانَ أَهْلُ التَّصَوُّفِ فِي طَرِيقِهِمْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى إِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَمْرٍ كَسَائِرِ أَهْلِ الْعُلُومِ فِي عُلُومِهِمْ، أَتَيْتُ مِنْ كَلَامِهِمْ بِمَا يَقُومُ مِنْهُ دَلِيلٌ عَلَى (مُدَّعِي) السُّنَّةِ وَذَمِّ الْبِدْعَةِ فِي طَرِيقَتِهِمْ، حَتَّى يَكُونَ دَلِيلًا لَنَا مِنْ جِهَتِهِمْ عَلَى أَهْلِ الْبِدَعِ عُمُومًا، وَعَلَى الْمُدَّعِينَ فِي طَرِيقِهِمْ خُصُوصًا، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
