بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبيِّنا محمد، اللهم اغفر لنا، ولشيخنا، وللحاضرين جميعًا، والمستمعين.
(المتن)
يقول الإمام الشاطبي رحمه الله:
وَسَبَبُ بُعْدِهِ عَنِ التَّوْبَةِ -أي: صاحب البدعة- وَسَبَبُ بُعْدِهِ عَنِ التَّوْبَةِ: أَنَّ الدُّخُولَ تَحْتَ تَكَالِيفِ الشَّرِيعَةِ صَعْبٌ عَلَى النَّفْسِ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ مُخَالِفٌ لِلْهَوَى، وَصَادٌّ عَنْ سَبِيلِ الشَّهَوَاتِ، فَيَثْقُلُ عَلَيْهَا جِدًّا.
(الشرح)
هَذَا صحيح؛ لأن التكاليف تقيد العاصي تمنعه من اتباع هواه وشهواته.
(المتن)
فَيَثْقُلُ عَلَيْهَا جِدًّا؛ لِأَنَّ الْحَقَّ ثَقِيلٌ، وَالنَّفْسَ إِنَّمَا تَنْشَطُ بِمَا يُوَافِقُ هَوَاهَا لَا بِمَا يُخَالِفُهُ، وَكُلُّ بِدْعَةٍ فَلِلْهَوَى فِيهَا مَدْخَلٌ، لِأَنَّهَا رَاجِعَةٌ إِلَى نَظَرِ مُخْتَرِعِهَا لَا إِلَى نَظَرِ الشَّارِعِ، فإذ أدخل فيها نظر الشَّارِعِ؛ فَعَلَى حُكْمِ التَّبَعِ لَا بِحُكْمِ الْأَصْلِ، مَعَ ضَمِيمَةٍ أُخْرَى؛ وَهِيَ أَنَّ الْمُبْتَدِعَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ تَعَلُّقٍ بِشُبْهَةِ دَلِيلٍ يَنْسِبُهَا إِلَى الشَّارِعِ، وَيَدَّعِي أَنَّ مَا ذَكَرَهُ هُوَ مَقْصُودُ الشَّارِعِ، فَصَارَ هَوَاهُ مَقْصُودًا بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ فِي زَعْمِهِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ عَنْ ذَلِكَ وَدَاعِي الْهَوَى مُسْتَمْسِكٌ بِجنس مَا يَستَمسكُ بِهِ؛ وَهُوَ الدَّلِيلُ الشَّرْعِيُّ فِي الْجُمْلَةِ؟!.
وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى ذَلِكَ: مَا رُوِيَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ رحمه الله؛ قَالَ: "بَلَغَنِي أَنَّ مَنِ ابْتَدَعَ بِدْعَةَ ضَلَالَةٍ آلَفَهُ الشَّيْطَانُ الْعِبَادَةَ، وأَلْقَى عَلَيْهِ الْخُشُوعَ وَالْبُكَاءَ؛ لكَيْ يَصْطَادَ بِهِ".
وَقَالَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ: "أَشَدُّ النَّاسِ عِبَادَةً مَفْتُونٌ"، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «يَحْقِرُ أَحَدَكُمْ صَلَاتَهُ فِي صَلَاتِهِ وَصِيَامَهُ فِي صِيَامِهِ» إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ.
وَيُحَقِّقُ مَا قَالَهُ الْوَاقِعُ; كَمَا نُقِلَ فِي الْأَخْبَارِ عَنِ الْخَوَارِجِ وَغَيْرِهِمْ.
(الشرح)
الأوزاعي قال: (بلغني)؛ هَذَا منقطع لكن يستأنس بِهِ.
(المتن)
فَالْمُبْتَدِعُ يَزِيدُ فِي الِاجْتِهَادِ؛ لِيَنَالَ فِي الدُّنْيَا التَّعْظِيمَ، وَالْمَالَ، وَالْجَاهَ، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ أَصْنَافِ الشَّهَوَاتِ، بَلِ التَّعْظِيمُ أعَلَى شَهَوَاتِ الدُّنْيَا، أَلَا تَرَى إِلَى انْقِطَاعِ الرُّهْبَانِ فِي الصَّوَامِعِ وَالدِّيَارَاتِ عَنْ جَمِيعِ الْمَلْذُوذَاتِ، وَمُقَاسَاتِهِمْ فِي أَصْنَافِ الْعِبَادَاتِ، وَالْكَفِّ عَنِ الشَّهَوَاتِ، وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ خَالِدُونَ فِي جَهَنَّمَ؟!.
(الشرح)
نسأل الله العافية، فمعابد النصارى ينقطعون في صوامعهم، ومتعبداتهم ينقطعون عن الناس، ويصبرون على الشدة والمشقة؛ لأجل أن الناس يعظمونهم، وهم مخلدون في النار؛ لأنهم مشركون، ما نفعتهم العبادة؛ لأنها على غير التوحيد، فهي مبنية على الشرك، ليست مبنية على التوحيد؛ فلذلك لم تنفعهم، لكن مع ذلك صبروا وقاسوا هذه الشدة؛ لأجل الناس يعظمونهم، ويقولون عنهم: زُهاد، قد يكون متعبد في صومعة، ومنقطع عن الناس، كل ما جاءه من المال يتصدق بِهِ, كُلّ ما جاءه من المال تصدق بِهِ؛ ما عنده شيء, لا مال ولا كذا، وقد يكون منقطع عن الشهوات، ولا زوجة، ولا ولد، فهو يتعبد، ولكن على غير هدى؛ فهو مشرك بالله عزَّ وجلَّ يعتقد أن الله ثالث ثلاثة، يقول: إن عيسى هو الإله، أو ابن الله أعوذ بالله؛ فلا تنفعهم هذه العبادة مع عقائدهم الشركية، ومع ذلك يقاسي، ويصبر، وينقطع عن الناس؛ لأجل أن الناس يعظمونه.
(المتن)
قال الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (2) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (3) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾[الغاشية/2-4].
(الشرح)
ما نفعهم عبادتهم الآن؛ فوجوههم خاشعة، عاملة، ناصبة، وجوه ذليلة ﴿خَاشِعَةٌ﴾[الغاشية/2]؛ ذليلة، ﴿عَامِلَةٌ﴾[الغاشية/3]؛ تعمل الليل والنهارـ؛ تشتغل بالعبادة، ﴿نَاصِبَةٌ﴾[الغاشية/3]؛ تتعب ثُمَّ تصلى نارًا حامية، ﴿تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾[الغاشية/4]؛ لأن العبادة على غير هدى، واعتبر الآن من الرافضة الآن, الرافضة الآن كيف بكاءهم، دموعهم تجري على أعينهم، هو رافضي، يعتقد أن علي هو الإله، وأن الحسين هو الإله، ويعتقد أَنَّهُمْ يتصرفون في الكون، هل تنفعهم هذه الدموع التي تجري على أعينهم؟!
فأنتم تشاهدونهم في المواسم وفي غيرها، يبكون في صلواتهم، فما تنفعهم عبادتهم؛ لقول الله عزَّ وجلَّ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (2) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾[الغاشية/2-3]، إلا من منَّ الله عَلَيْهِ بالتوبة وتاب قبل الموت.
(المتن)
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾[الكهف/104].
(الشرح)
فهم يعملون، ولكنهم بالأخسرين أعمالًا، ﴿ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾[الكهف/104]؛ وهم يعملون، ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾[الكهف/104]؛ أي: يظنون أَنَّهُمْ على هدى، وهم على باطل.
(المتن)
وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِخِفَّةٍ يَجِدُونَهَا فِي ذَلِكَ الِالْتِزَامِ، وَنَشَاطٍ يدَاخِلِهِمْ؛ يَسْتَسْهِلُونَ بِهِ الصَّعْبَ، بِسَبَبِ مَا دَاخَلَ النَّفْسَ مِنَ الْهَوَى.
(الشرح)
الهوى يحسِّن هذا الشيء ويزينه، ويخفف عليهم المشقة.
(المتن)
فَإِذَا بَدَا لِلْمُبْتَدِعِ مَا هُوَ عَلَيْهِ، رَآهُ مَحْبُوبًا عِنْدَهُ؛ لِاسْتِعبادِهِ لِلشَّهَوَاتِ، وَعَمَلِهِ مِنْ جُمْلَتِهَا، وَرَآهُ مُوَافِقًا لِلدَّلِيلِ عِنْدَهُ، فَمَا الَّذِي يَصُدُّهُ عَنِ الِاسْتِمْسَاكِ بِهِ وَالِازْدِيَادِ مِنْهُ؟! وَهُوَ يَرَى أَنَّ أَعْمَالَهُ أَفْضَلُ مِنْ أَعْمَالِ غَيْرِهِ، وَاعْتِقَادَاتِهِ أَوْفَقُ وَأَعْلَى، أَفَبعد الْبُرْهَانُ مَطْلَبًا؟!
﴿ كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾[المدثر/31].
وَأَمَّا أَنَّ الْمُبْتَدِعَ يُلْقَى عَلَيْهِ الذُّلُّ فِي الدُّنْيَا وَالْغَضَبُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى.
